تراجع قيم المروءة وتلاشي المساعدات العفوية للشغاف والشرائح الضعيفة في عصر التطبيقات البنكية
بقلم | فخر الدين المك

شهد المجتمع في السنوات الأخيرة تحولاً رقمياً متسارعاً ألقى بظلاله على مختلف تفاصيل الحياة اليومية. وكان من أبرز مظاهره الاعتماد المباشر والشامل على التطبيقات البنكية والدفع الإلكتروني.
ولئن أسهم هذا التحول في تسهيل التجارة وتسريع المعاملات، إلا أنه أحدث خرقاً غير مرئي في النسيج الاجتماعي، ومسّ بشكل مباشر قيماً أصيلة كـ *المروءة والشهامة وإغاثة الملهوف*، التي كانت تشكل شبكة أمان اجتماعي عفوي للشرائح الضعيفة.
في الماضي القريب، كان التعامل بالنقود الورقية “الكاش” يتيح مساحة واسعة للمساعدات السريعة والعفوية. كان الفرد يتنقل وفي جيبه قطع نقدية بسيطة، يجود بها دون تردد على سائل، أو يدعم بها بائعاً متجولاً مسناً، أو يعين بها عاملاً يكدح تحت الشمس.
تلك المبالغ البسيطة لم تكن تشكل عبئاً، بل كانت تجسيداً حياً لخلق المروءة والتضامن المباشر الذي لا يحتاج إلى ترتيبات أو قيود.
ومع انحسار التعامل الورقي وسيادة المعاملات عبر الشاشات، تضاءلت هذه اللفتات الإنسانية.
أصبحت الجيوب والمحافظ خالية من النقود، وأصبح الاعتذار الجاهز لأي محتاج هو: *”الله كريم.. ما عندي كاش”*.
ورغم إمكانية التحويل الإلكتروني، إلا أن هناك حاجزاً نفسياً وتقنياً يقف حائلاً. فالمساعدة الصغرى والعفوية تفقد طبيعتها عندما تتطلب طلب رقم الحساب، أو إدخال بيانات بنكية، أو انتظار إشعار التحويل.
والأخطر من ذلك، أن الفئات الأكثر هشاشة من كبار السن، والأميين، والمتسولين، وعمال الرصيف، لا يمتلكون بالضرورة هواتف ذكية أو حسابات بنكية تمكنهم من استقبال هذه المساعدات.
هذا التحول لم يؤثر فقط على حجم المساعدات المادية، بل امتد ليعزز العزلة الاجتماعية ويقلل من فرص التفاعل الإنساني المباشر التي كانت تنمي حس المسؤولية تجاه الآخرين.
لقد أصبحت المساعدة محصورة في قنوات رسمية أو حملات كبرى، بينما اختفت المروءة اليومية التي ترمم عوز المحتاجين وتضمن كرامتهم بعيداً عن الإجراءات والتعقيدات.
إن التطور التقني لا ينبغي أن يكون على حساب الإنسانية.
يقع على عاتق المجتمعات والمؤسسات المالية ابتكار حلول رقمية مرنة تراعي هذه الفئات. ويجب توعية المجتمع بأهمية إبقاء جزء من التعاملات النقدية البسيطة حية، حماية لقيم المروءة والشهامة، وضماناً لعدم ترك الشرائح الضعيفة خلف ركاب التطور التقني.





