كنز البحر الأحمر السوداني (4 من 13): أين نبني أول منتجع عالمي؟
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

بعد أن انتهينا إلى أن أنفس مواقع البحر الأحمر السوداني ليست بالضرورة أفضل الأماكن للبناء، يأتي السؤال العملي:
إذا أردنا أن نبدأ فعلًا، فأين نقيم أول منتجع سوداني بمستوى عالمي؟
قد يتبادر إلى الذهن البحث عن أجمل جزيرة وأصفى مياه وأبعد مكان عن الناس. لكن المستثمر لا يختار الموقع بالعين وحدها؛ فقد يفشل منتجع في مكان بالغ الجمال إذا كانت كلفة الوصول والبناء والإمداد والتشغيل مرتفعة، وقد ينجح موقع أقل عزلة لأنه جمع جمال الطبيعة وسهولة التشغيل.
ولهذا لا ينبغي أن نقرر مسبقًا أن جزيرة أو شاطئًا بعينه هو الأفضل، بل نبدأ بمسح استثماري سياحي للساحل والجزر، ثم نفاضل بين المواقع بالأرقام، بعد استبعاد ما تقتضي قيمته البيئية الحماية أو الاستخدام المحدود.
وتظهر أهمية ذلك خصوصًا قرب المواقع ذات القيمة العالمية؛ فخليج دنقناب وجزيرة مكوار، مثلًا، يقعان على بعد نحو 125 كيلومترًا شمال بورتسودان، وهما جزء من موقع التراث العالمي، ولذلك لا يجوز التعامل معهما كأرض سياحية عادية.
ويخضع كل موقع مرشح لبطاقة موحدة تحدد مساحته وإحداثياته، وبعده وزمن الوصول إليه من المطار والميناء، وطبيعة الشاطئ والقاع وأعماق المياه والرياح والأمواج، وملاءمته للسباحة والأنشطة البحرية، وحساسيته البيئية، وإمكان إنشاء مرسى، وتوفير المياه والطاقة والاتصالات، وإدارة الصرف والنفايات، وتقديرات كلفة البناء والتشغيل.
لكن قبل اختيار المكان يجب أن نعرف لمن نبني.
فالموقع الملائم للغواصين ليس بالضرورة الأفضل لعائلة معها أطفال، وما يلائم منتجعًا شديد الخصوصية قد يختلف عما يلائم منتجعًا عائليًا. ولذلك ينبغي أن يتحدد المنتج والسائح المستهدف بالتوازي مع اختيار الموقع، لا بعده.
ومن المنطقي أن يحظى نطاق قريب نسبيًا من بورتسودان بأولوية في الدراسة لأول مشروع؛ لأن القرب من بوابة الوصول والخدمات قد يخفض كلفة نقل العمال ومواد البناء والغذاء والمعدات، ويسهل الصيانة والطوارئ واختبار السوق قبل الانتقال إلى مواقع أبعد وأعلى كلفة.
ولا يعني ذلك أن يكون المنتجع داخل المدينة أو عمرانها؛ فالمعادلة المطلوبة هي:
أن يشعر السائح بأنه بعيد عن العالم، من غير أن يكون المنتجع بعيدًا عن شرايين التشغيل.
وقد يكون الموقع جزيرة، أو شاطئًا بريًا معزولًا، أو شبه جزيرة، أو نطاقًا ساحليًا أمامه شعاب وجزر تصل إليها القوارب. فالسائح لا يدفع ثمن كلمة «جزيرة»، وإنما ثمن التجربة: البحر والشاطئ والخصوصية والسكن والخدمة والطعام والأنشطة.
بل قد تكشف الدراسة أن الموقع الساحلي أجدى للبداية، لأن البناء والإمداد يمكن أن يصلاه برًا، بينما تستخدم الجزر والشعاب القريبة للرحلات والغوص المنظم. وقد تكشف العكس؛ ولذلك تبقى المفاضلة للدراسة لا للانطباع.
ولا أرى ضرورة لأن تبدأ التجربة بمئات الغرف. وكتصور أولي يخضع لدراسة الجدوى، يمكن اختبار نموذج صغير عالي المستوى، في حدود 20 إلى 30 فيلا أو وحدة مثلًا، يقوم على الجودة والخصوصية وارتفاع قيمة التجربة بدل كثرة الأعداد.
فالهدف من المشروع الأول لا يقتصر على أرباحه، بل أن يكون نموذجًا تجريبيًا يثبت جدوى الفكرة: هل نستطيع جذب سائح دولي مرتفع الإنفاق؟ وهل نستطيع تقديم خدمة تنافس الوجهات الأخرى وتشغيل منتجع بحري آمن ونظيف ومستقر؟ وهل يجد المنتج الذي نصممه سوقه المستهدف؟
فإذا نجح، يصبح أمام المستثمر التالي مشروع قابل للقياس، لا فكرة على الورق: نعرف عدد الزوار، ومدة الإقامة، والأسعار والإشغال، وكلفة التشغيل، ورضا السائح، وحجم إنفاقه وما يشتريه المنتجع من داخل السودان.
ولهذا ينبغي أن يسبق طرح المواقع للاستثمار إعداد أطلس استثماري سياحي للبحر الأحمر السوداني، يحدد المواقع وخصائصها البيئية والهندسية واللوجستية والاستثمارية، ويصنفها بحسب ما يصلح للحماية أو الزيارة أو التطوير السياحي.
وعندئذ تطرح الدولة المواقع المناسبة في منافسة واضحة، بدل أن يأتي المستثمر فيختار أجمل بقعة أولًا، ثم نكتشف لاحقًا التعارض البيئي أو القانوني أو صعوبة التشغيل.
فالترتيب الصحيح هو:
نحصر، ونصنف، ونحمي، ثم نختار، ثم نطرح للاستثمار.
وإذا أردنا تحديد نقطة يبدأ منها البحث، فالأجدى دراسة النطاقات القريبة نسبيًا من بورتسودان التي تجمع جودة البيئة البحرية والخصوصية وسهولة الوصول، وتقع خارج المواقع الأشد حساسية. أما اختيار الموقع بعينه فلا ينبغي أن يكون بالرأي، بل بنتيجة المسح الفني والبيئي والاقتصادي.
فالمشروع القومي لا يبدأ بصورة جميلة وقرار ببناء فندق؛ بل يبدأ بالعلم والخرائط والأرقام.
وبعد أن نعرف أين نبني، يأتي السؤال التالي:
ماذا سنبني؟ وهل يستطيع السودان أن يقدم سياحة عالمية راقية دون أن يجعل الخمر والقمار والتعري جزءًا من المنتج السياحي؟
ذلك ما نتناوله في المقال القادم بإذن الله:
«سياحة عالمية راقية بلا خمر ولا قمار ولا تعرٍّ».





