مقالات

السودان ومصر والصين… فرصة أكبر من حدود الدول الثلاث

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

بمناسبة زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لمصر في مطلع سبتمبر الجاري، وما شهدته من اتفاق على تعميق الشراكة الاستراتيجية وتوسيع التعاون في الصناعة والنقل والطاقة والتكنولوجيا والزراعة والاستثمار، برز في البيان المشترك ما يهم السودان مباشرة؛ إذ أكد البلدان احترام وحدته وسيادته والحفاظ على مؤسساته الوطنية، وأعلنا عزمهما العمل معًا لوقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة بملكية سودانية.
وهذه دلالة سياسية مهمة، لكن وراءها فرصة اقتصادية أبعد أثرًا. فتعاظم الشراكة الصينية المصرية لا ينبغي أن يراه السودان منافسةً له على الاستثمار الصيني، بل فرصة يمكن البدء في الإفادة منها متى شرع في إصلاح بيئته الاقتصادية والمؤسسية. ولا ينبغي انتظار انتهاء الحرب لبدء هذا الإصلاح والتعاون؛ فكل تقدم في بناء بيئة آمنة ومنضبطة للإنتاج والاستثمار يفتح بابًا لمزيد من النشاط الاقتصادي، ويوسع مصالح الناس المرتبطة بالاستقرار، ويمكن بذلك أن يصبح جزءًا من أسباب وقف الحرب وتثبيت السلام، لا مجرد ثمرة تأتي بعده.

فمصر تملك قاعدة صناعية وبنية أساسية وموانئ ومناطق اقتصادية وسوقًا كبيرة، فضلًا عن قناة السويس وموقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. والسودان يملك الأرض والمياه والزراعة والثروة الحيوانية والذهب والمعادن والطاقة المتجددة وساحلًا على البحر الأحمر وامتدادًا أفريقيًا واسعًا. والصين تملك رأس المال والتكنولوجيا والقدرة الصناعية والأسواق. وهذه مزايا لا تتعارض، بل يمكن أن يكمل بعضها بعضًا.
ولا ينبغي أن يقتصر دور مصر على تسهيل وصول الاستثمار الصيني إلى السودان؛ فهي نفسها تستطيع أن تكون مستثمرًا مباشرًا وشريكًا إنتاجيًا فيه. فالزراعة والثروة الحيوانية والتصنيع الغذائي والتعدين والدواء ومواد البناء والنقل والمقاولات والطاقة وغيرها مجالات يمكن أن تجمع رأس المال والخبرة والتكنولوجيا السودانية والمصرية والصينية، على أن تحدد الجدوى الاقتصادية أين ينتج كل شيء وأين يصنع.

ويمكن أن يشمل التكامل سوق العمل كذلك. فمصر تملك عمالة فنية ومهنية مدربة، بينما يحتاج السودان، في إعادة الإعمار والانطلاق الاقتصادي، إلى مهارات وخبرات كبيرة، ويمكنه استيعاب ما يحتاج إليه منها بما يخدم البلدين، ويساعد في التدريب ونقل المعرفة وتوسيع فرص العمل والإنتاج والتعاون بين الشعبين.
وفي الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين وغيرها يمكن أن يبدأ الإنتاج في السودان، وتدخل رؤوس الأموال والتقنيات والخبرات من البلدان الثلاثة، ثم تتم المعالجة والتصنيع حيث تقتضي الجدوى، وتتحرك المنتجات عبر موانئ وأسواق وشبكات نقل البلدين إلى الأسواق الخارجية. كما يمكن لاتساع الصناعة الصينية في مصر أن يخلق طلبًا على موارد ومدخلات سودانية، مثلما تستطيع الصناعات السودانية الاستفادة من السوق والبنية الصناعية واللوجستية المصرية.

والأصل أن يسعى السودان إلى تصنيع موارده وزيادة القيمة المضافة داخله كلما كانت الجدوى تتيح ذلك، لكن هذا لا يجعل تصدير الخام في المرحلة التي نعجز فيها عن تصنيعه خطأً في ذاته. ومن هنا لا أجد مسوغًا لما يُبدى أحيانًا من عتب على استيراد مصر بعض السلع والمواد الخام السودانية ثم معالجتها أو تصنيعها وإعادة تصديرها بقيمة أعلى، ما دامت التجارة تتم بصورة حرة وعادلة. فالمشكلة ليست في أن يشتري الآخر خامنا ويضيف إليه قيمة، وإنما في أننا لم نبنِ بعد البيئة والقدرة اللتين تمكناننا من فعل ذلك بأنفسنا.

وإذا كان المنتج السوداني عاجزًا، بحكم اضطراب بيئته، عن التصنيع أو الوصول المباشر إلى بعض الأسواق، فإن وجود سوق قريبة تشتري إنتاجه أفضل من فقد منفذ البيع نفسه. فأن نعجز عن التصنيع ثم نضيق بمن يشتري الخام ويصنعه يعني أن نخسر مرتين: القيمة المضافة التي لم نبنِ أسبابها، وسوق الخام الذي نحتاج إليه. والأجدى أن نستفيد من هذا المنفذ، وفي الوقت نفسه نصلح بيئتنا ونبني قدراتنا حتى ننتقل، بحكم الجدوى والمنافسة لا بالمنع، إلى تصنيع أكبر قدر مجدٍ من مواردنا داخل السودان.
ومن ثم فالسؤال ليس: هل تستثمر الصين في مصر أم السودان؟ ولا: أي البلدين يستفيد على حساب الآخر؟ وإنما: ماذا يكون إنتاجه وتصنيعه أجدى في السودان، وماذا يكون أجدى في مصر، وكيف ترتبط الموارد ورؤوس الأموال والتكنولوجيا والأسواق في منظومة تحقق أكبر عائد للجميع؟

والصين ليست جديدة على السودان؛ فقد سبقت لها استثمارات ومشروعات كبيرة، خاصة في النفط والبنية الأساسية. ولذلك لا يحتاج السودان بقدر حاجته إلى تعريف المستثمر بموارده إلى إزالة ما عطّل استثمار هذه الموارد.
وهنا أصل القضية: إصلاح البيئة الكلية.

ولا ينبغي تأجيل هذا الإصلاح إلى حين انتهاء الحرب؛ بل يبدأ بما تستطيع الدولة إصلاحه الآن، ويتسع كلما اتسعت قدرتها على إنفاذ القانون وإدارة النشاط الاقتصادي. فالاقتصاد المنتج نفسه من دعائم الاستقرار؛ إذ يعيد المصالح إلى العمل والإنتاج والتجارة والاستثمار، ويوسع فرص الناس في حياة طبيعية، ويقوي مؤسسات الدولة ومواردها، ويجعل السلام أكثر نفعًا واستدامة.
ولهذا يحتاج السودان إلى تحرير الاقتصاد والتجارة وسعر الصرف في إطار واضح ومستقر، وتبسيط الضرائب والجمارك وتوحيد الجبايات، ورقمنة الدولة، وقضاء سريع نافذ، وحماية الملكية والعقود، ومحاربة الفساد والاحتكار، وجهاز مصرفي طبيعي وبيئة استثمار سهلة وشفافة. فالأرض والمعادن والموقع لا تصنع ثروة بمجرد وجودها؛ البيئة السليمة هي التي تحول الموارد إلى إنتاج واستثمار وصادرات وفرص عمل.

ومتى بدأ هذا الإصلاح، يصبح الحضور الصيني الكبير في مصر عاملًا مساعدًا للسودان؛ فالشركات التي بنت قواعد تشغيل وسلاسل إمداد قريبة منه يصبح توسعها جنوبًا أكثر جدوى كلما تحسنت البيئة، كما تستطيع الشركات ورؤوس الأموال المصرية الاستثمار مباشرة في السودان بحكم الجوار والخبرة والروابط بين البلدين.
ولمصر نفسها مصلحة عميقة في ذلك؛ فاضطراب السودان وتراجع اقتصاده يفرضان عليها كلفة أمنية واقتصادية، بينما السودان المستقر المنتج سوق وشريك ومصدر للغذاء والمواد الأولية وفرصة للاستثمار والتجارة، كما يستفيد السودان من الصناعة والخبرة والسوق والبنية اللوجستية المصرية.

والتكامل بين البلدين أكبر من الاقتصاد وحده؛ فقوة السودان واستقراره يضيفان إلى قوة مصر وأمنها، وقوة مصر واستقرارها يضيفان إلى قوة السودان وأمنه. وقد جمع شعبيهما تاريخ ممتد، وروابط الدين واللغة والثقافة، والجوار ووادي النيل والبحر الأحمر، وصلات اجتماعية وروابط قبلية عابرة للحدود ومصاهرة ممتدة، فضلًا عن المصالح المشتركة في المياه والغذاء والأمن والتجارة والنقل والطاقة. وتحويل هذه الروابط إلى تكامل اقتصادي وتنموي حقيقي يضاعف وزن البلدين وقدرتهما على حماية مصالحهما، مع بقاء كل دولة كاملة السيادة على أرضها وقرارها.
وهذا يكتسب أهمية أكبر لأن مصر والسودان دولتان مهمتان على البحر الأحمر، بينما تحتاج الصين إلى استقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد. وهكذا تلتقي مصلحة السودان في التنمية والاستقرار، ومصلحة مصر في استقرار جوارها وتوسيع اقتصادها، ومصلحة الصين في الاستثمار والموارد والأسواق والممرات الآمنة. وهذا التكامل لا يغني بالطبع عن انفتاح السودان على الاستثمار العالمي كله وفق قواعد عادلة واحدة.
لذلك ينبغي أن يُقرأ إعلان الصين ومصر العمل على وقف حرب السودان على مسارين متلازمين لا متعاقبين: مسار سياسي وأمني يعمل على وقف الحرب والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، ومسار اقتصادي يبدأ من الآن بإصلاح البيئة وتحريك الإنتاج والتجارة والاستثمار والتعاون، فيسهم بدوره في تقوية دوافع الاستقرار والسلام.

ولا يحتاج السودان إلى استنساخ التجربة المصرية؛ فلكل بلد مزاياه. وقد تكون فرص السودان أوسع في الزراعة والتعدين والثروة الحيوانية والطاقة، ولمصر مزايا أكبر في صناعات وخدمات ولوجستيات أخرى. والقوة ليست في أن يتنافسا على النشاط نفسه، بل في أن يتكامل ما يملكه كل منهما مع الآخر.
والمطلوب إذن ألا ينظر السودان إلى ما تكسبه مصر من الصين بحساب ما خسره هو، بل بحساب ما يستطيع أن يضيفه ويكسبه من هذه الدائرة. فمصر القوية اقتصاديًا فرصة للسودان، والسودان المنتج والمتجه إلى الاستقرار فرصة لمصر، وكلاهما أكثر جاذبية للصين حين تتكامل مواردهما وأسواقهما ومواقعهما.
وما ينقص السودان ليس المورد ولا الموقع، بل البيئة التي تحولهما إلى إنتاج وثروة. وكلما أسرع في إصلاحها، فتح أبواب التعاون والاستثمار، وقوّى اقتصاده ودولته، وأضاف بذلك عاملًا جديدًا إلى عوامل وقف الحرب واستدامة السلام؛ وعندها لن تكون الشراكة الصينية المصرية خبرًا يراقبه من بعيد، بل فرصة يدخل فيها شريكًا ويجعلها أكبر للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى