كنز البحر الأحمر السوداني (3 من 13): سنجانب ودنقناب ومكوار… نحمي الكنز لنستثمره
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

حين نكتشف موقعًا طبيعيًا بالغ الجمال، يكون أول ما يخطر بالبال: هنا ينبغي أن نبني الفندق أو المنتجع.
لكن في السياحة الطبيعية قد يكون هذا أول الأخطاء.
فأجمل موقع ليس بالضرورة أفضل مكان للبناء، وقد تكون قيمته الاقتصادية الكبرى في أن يبقى كما هو، يزوره السائح بضوابط ثم يعود إلى منتجعه المقام في موقع أقل حساسية.
وهذه القاعدة مهمة جدًا حين نتحدث عن سنجانب ودنقناب ومكوار؛ فنحن أمام مواقع ليست جميلة فحسب، بل ذات قيمة طبيعية عالمية، أدرجتها اليونسكو ضمن موقع واحد على قائمة التراث العالمي عام 2016.
ويمتد الموقع المدرج على نحو 260,700 هكتار، تحيط به منطقة عازلة تبلغ نحو 504,600 هكتار. وهو يضم شعابًا مرجانية وجزرًا وشواطئ وأشجار القرم الساحلية وأعشابًا بحرية وموائل لكائنات عديدة.
ولهذا يجب أن يبدأ التخطيط السياحي هنا بسؤال يبدو عكس ما اعتدناه:
ليس: أين نبني أولًا؟ بل: ماذا يجب ألا نمسه أصلًا؟
فالمحمية ليست أرضًا فارغة تنتظر المستثمر، وإنما أصل طبيعي يجب أن نحدد داخله وحوله درجات الاستخدام قبل طرح أي مشروع.
قد تكون هناك مناطق حماية صارمة لا يدخلها الزائر إلا لأغراض محدودة، ومناطق يسمح بزيارتها بأعداد محسوبة، ومواقع للغوص المنظم، ومناطق يمكن أن تستقبل أنشطة خفيفة، ثم مواقع أخرى خارج النطاقات الحساسة تصلح لإقامة المنتجعات والبنية اللازمة لها.
وبهذا لا تصبح الحماية نقيضًا للاستثمار، بل شرطًا لاستمراره.
فالمنتجع يستطيع أن يستفيد اقتصاديًا من جمال الشعاب من غير أن يبنى فوقها. يمكن أن يقيم السائح في موقع مناسب، ثم ينتقل بالقارب إلى مواقع الغوص والزيارة وفق مسارات وأعداد وضوابط محددة، فيعود إلى المنتجع وتبقى الشعاب أصلًا منتجًا للقيمة عامًا بعد عام.
والخطر ليس في البناء وحده. فالسياحة نفسها يمكن أن تضر بالموقع من خلال المراسي العشوائية، وكثرة القوارب، وسوء ممارسة الغوص، والنفايات والتلوث، أو دخول أعداد تفوق ما يستطيع الموقع تحمله.
ولهذا نحتاج إلى تحديد القدرة الاستيعابية لكل موقع؛ أي عدد الزوار والأنشطة التي يستطيع استقبالها من غير أن تبدأ بيئته في التدهور.
وهنا لا ينبغي أن يكون هدفنا أكبر عدد ممكن من السياح. ففي موقع طبيعي نادر قد يكون عدد أقل من الزوار، بإنفاق أعلى وتجربة أرقى، أجدى اقتصاديًا وأخف ضررًا على البيئة من سياحة كثيفة منخفضة القيمة.
وهذا ينسجم مع النموذج الذي نقترحه للبحر الأحمر السوداني: سياحة راقية، عالية القيمة، تحترم طبيعة المكان بدل أن تستهلكها.
كما ينبغي أن تستخدم القوارب نقاط رسو ثابتة حيث يلزم بدل إلقاء المراسي على الشعاب، وأن تنظم حركة الغوص والزيارات، وتحدد المناطق المسموح بها، وتراقب النفايات والصرف وجودة المياه.
ولا تنجح هذه الحماية من غير أهل المنطقة.
فالمجتمعات المحلية ليست عقبة أمام المحميات، بل يجب أن تكون شريكًا في إدارتها والاستفادة منها. حين يجد أبناء المنطقة فرصًا في الإرشاد والنقل والقوارب والخدمات والصيد المنظم والحرف والتوريد، يصبح بقاء البحر سليمًا مصلحة اقتصادية لهم أيضًا.
أما إذا أقيمت المشروعات أمامهم، وذهبت منافعها إلى غيرهم، بينما طلب منهم وحدهم تحمل قيود الحماية، فإننا نصنع تعارضًا كان يمكن تجنبه.
وتشير تقارير متابعة الموقع إلى أن السودان أحرز تقدمًا في بعض متطلبات الإدارة المتكاملة وإرشادات أنشطة الغوص، لكن الحرب وعدم الاستقرار وشح الموارد ظلت من القيود التي تعوق الإدارة والحماية الفعالة.
وهذا يذكرنا بأن إعلان المحمية أو إدراجها على قائمة التراث العالمي لا يحميها وحده؛ فالحماية الحقيقية تحتاج إلى إدارة وتمويل ورقابة ووجود فعلي على الأرض والبحر.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم سياستنا بسيطة:
ما يمكن استثماره دون إفساده نستثمره، وما تكمن قيمته في بقائه على حاله نحميه، ثم نجعل حمايته نفسها جزءًا من القيمة السياحية.
فالسائح الذي يدفع آلاف الدولارات ليغوص في شعاب سليمة لا يحتاج إلى فندق مبني فوق تلك الشعاب؛ يحتاج إلى أن يجدها كما خلقها الله.
ومن هنا فإن أول خريطة للاستثمار السياحي في البحر الأحمر يجب ألا تكون خريطة فنادق، بل خريطة تحدد بوضوح: أين نحمي، وأين نزور، وأين نغوص، وأين نبني.
وبعد أن نحدد ما يجب ألا نمسه، يصبح السؤال التالي منطقيًا:
أين ينبغي إذن أن نبني أول منتجع عالمي؟
وهذا ما نتناوله في المقال القادم بإذن الله:
«أين نبني أول منتجع عالمي؟»





