صديق البادي يكتب | النظام العسكري النوفمبري نجاح في التنمية وتضييق في الحريات

مر السودان بثلاثة نظم ديمقراطية أو بالأحرى نظم تعددية حزبية وشهد ثلاث فترات انتقالية وشهد ثلاثة نظم حكم عسكرية . والنظام العسكري النوفمبري (17 نوفمبر 1958م – اكتوبر 1964م ) لم يقم العساكر بانقلاب عسكري ولكن تم تسليمهم الحكم عن طريق رئيس الوزراء ووزير الدفاع وسكرتير عام حزب الأمة الاميرلاي عبدالله خليل وكان على رأس السلطة النوفمبرية (المجلس الأعلى للقوات المسلحة) وقوامه عدد قليل من كبار الضباط ويرأسهم الفريق ابراهيم
عبود وتولى كل منهم منصباً وزارياً واقتسم المدنيون معهم السلطة في الجهاز التنفيذي ومجلس الوزراء الذي لم يكن مترهلاً وكان عدد الوزراء محدوداً من العسكريين والمدنيين الذين تولوا أهم الوزارات وعين السيد احمد خير المحامي وزيراً للخارجية وعين السيد عبد الماجد أحمد وزيراً للمالية وبعد تقاعده عين بدلاً عنه السيد مأمون بحيري وعين السيد محمد أحمد علي وزيراً للصحة وبعد وفاته عين دكتور أحمد علي زكي وزيراً للصحة وعين المهندس مكي المنا وزيراً للري والقوة الكهربائية المائية وعين السيد زيادة أرباب وزيراً
للمعارف . وكان بالسودان تسع مديريات على رأس كل منها مدير مديرية وتم الابقاء عليهم بمواقعهم بذات سلطاتهم . ومدير المديرية هو الذي يرأس اجتماعات مجلس المديرية عندما ينعقد ويقود العمل الإداري والتنفيذي وهو المسؤول عن الميزانية وعن كافة المصالح الحكومية والمجالس الريفية . وعين حاكم عسكري في كل مديرية بلا سلطات تشريعية أو تنفيذية ولكن برتكولياً ومظهرياً هو الأول في المديرية كواجهة للسلطة وسلطاته قاصرة على المسائل العسكرية وتأمين النظام . ولم يقيم الحكم العسكري
النوفمبري حزباً أو تنظيماً سياسياً وحاولوا ملء الفراغ السياسي (وطق الحنك والمناقشات السياسية التي كانت تستهوي الكثيرين ) بالتشجيع الكروي والانشغال بذلك لحد الهوس في ذلك العهد . والرئيس ابراهيم عبود ووزير خارجيته احمد خير ومن معهما وظفوا الدبلوماسية لخدمة التنمية مستفيدين من القطبين العالميين في أيام الحرب الباردة وحصلوا على مكاسب كثيرة واستفادوا من المعونة الأمريكية في اقامة شارع الخرطوم – مدني وشارع المعونة
بالخرطوم بحري … الخ واقاموا اتفاقيات مع الاتحاد السوفيتي تم بموجبها اقامة صناعات تحويلية مثل مصنع ألبان بابنوسة ومصنع تعليب الفواكه بكريمة ومصنع تجفيف البصل بكسلا واقامة مخازن الغلال بالقضارف . وفي العهد النوفمبري كانت بداية قيام مصانع السكر . وشهد ذلك العهد قيام التلفزيون والمسرح القومي وقيام امتداد المناقل ومد خطوط السكة حديد غرباً ووسعوا التعليم بإقامة عدد من المدارس الثانوية مع فتح نهر جديد في كل مدرسة أميرية
وسطى مع الاهتمام بالصحة الوقائية والعلاجية مع ضبط الأمن وأداء الشرطة والمباحث الجنائية لمهامهم باقتدار والحياة كانت سهلة ميسورة بمقاييس ذلك الزمان . وكان للنظام وجه آخر فيه مسالب مثل التضييق في الحريات لاسيما في الممارسات السياسية والنقابية والصحفية وكان كبت الحريات من العوامل التي أدت لقيام ثورة اكتوبر عام 1964م بالإضافة للعوامل الخارجية وتدخل القوى الأجنبية التي فجرت ودعمت التمرد في الجنوب بعد طرد النظام
النوفمبري للقساوسة الأجانب من الكنائس وذكرت الحكومة في بياناتها أنهم تجاوزوا مهامهم مع تدخلهم في المسائل الداخلية واثارة الفتن وقرر النظام ابعادهم وسودنة الكنائس ليحل محلهم في الكنائس قساوسة جنوبيين واغضب ذلك القوى الكنيسية في الخارج والمنظمات الغربية ضد النظام النوفمبري وشجعوا ودعموا حركة التمرد في الجنوب
وتضافرت اسباب داخلية وخارجية أدت لسقوط النظام النوفمبري في ثورة شعبية عارمة في شهر اكتوبر عام 1964م وخلاصة أن النظام النوفمبري اعتمد على الخدمة المدنية في إدارة البلاد وكان للمدنيين كافة القدح المعلى في تسيير دفة النظام الحاكم النوفمبري وكانت بصماتهم أكثر وضوحاً من بصمات العسكريين .




