ما هذا يا بنك السودان؟… تحريرٌ للسوق أم وقودٌ لارتفاع الدولار؟
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

أصدر بنك السودان المركزي في 24 أغسطس 2026 المنشورين 16/2026 و17/2026 بشأن تعديلات سعر الصرف، بما يمنح المصارف وشركات الصرافة مرونة أكبر في تعديل أسعار شراء وبيع العملات الأجنبية. وقد تبدو الخطوة اتجاهًا نحو تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، لكن الحكم عليها ينبغي أن يكون بآلية عملها ونتائجها، لا باسمها وحده.
ومن حيث المبدأ، لا اعتراض لدينا على تحرير سعر الصرف؛ فقد ظللنا ندعو إليه مرارًا. وإنما الاعتراض على كيفية التحرير: هل ننقل سوق النقد الأجنبي نفسها إلى سوق رسمية حرة وشفافة، أم نمنح المؤسسات الرسمية حرية أكبر في تحريك أسعارها بينما تظل السوق الموازية صاحبة الإشارة الأقوى في تحديد الاتجاه؟
فالمنشوران يمثلان خطوة في اتجاه تحرير التسعير، لكنهما لا يكفيان بذاتهما لإقامة سوق صرف حرة ومتكاملة. والخطر أن يظل زمام المبادرة في يد السوق الموازية، ثم تتحرك المصارف والصرافات خلف إشارتها؛ فتظل السوق الرسمية في موقع المتابع بدل أن ينتقل إليها مركز اكتشاف السعر.
وتزداد الخطورة إذا أُنزل التحرير مجزأً؛ فتطبيق بعض عناصره وترك بعضها الآخر أو تأخيرها يبعث رسائل عملية ونفسية سلبية إلى الجمهور والمتعاملين. فالناس يحكمون على السياسة بما يستطيعون فعله فعليًا في السوق، لا بما يقصده واضعوها. فإذا مُنحت المصارف حرية تحريك أسعارها، بينما بقيت السيولة والتداول الفعلي وسهولة البيع والشراء ومركز اكتشاف السعر خارجها، فلن يُفهم ذلك عمليًا إلا على أن السوق الرسمية ما زالت تتلقى إشارتها من السوق الموازية.
بل إن غياب عنصر جوهري واحد مما توفره السوق الموازية قد يهز الثقة في السياسة كلها. فإذا لم يستطع المتعامل أن يحصل فورًا على ما يحتاجه من الدولار مقابل الجنيه السوداني، وبالكمية المطلوبة، وبطريقة أيسر من السوق الموازية، فستظل السوق الرسمية في نظره أقل قدرة على تلبية حاجته. وهذه الهزة النفسية قد تتحول سريعًا إلى إحجام عن البيع، وزيادة في الطلب والتحوط، وارتفاع في الأسعار.
وقد لوحظ عقب إعلان السياسات قدر من الترقب والتذبذب في السوق الموازية، وتحدثت تقارير عن إحجام بعض المتعاملين مؤقتًا عن البيع ثم عودة الارتفاع. ولا يكفي ذلك وحده لإثبات أن القرارات هي السبب الوحيد، لكنه يوضح مدى حساسية السوق للإشارات غير المكتملة أو غير الواضحة.
فإذا ظلت السوق الموازية مرجعًا عمليًا لاكتشاف السعر، ورفعت المصارف سعر شراء الدولار استجابة لحركتها، رفع المتعاملون فيها سعره مجددًا، فتقترب منه المصارف ثم يبتعد عنها من جديد. وعندئذ قد تصبح زيادات المؤسسات الرسمية نفسها وقودًا يغذي توقعات ارتفاع العملات الأجنبية، فتتجدد الفجوة عند مستويات سعرية أعلى.
وهنا يكمن الفرق بين تحرير السوق وتحرير المؤسسات لملاحقة سعر السوق الموازية.
وقد يسأل سائل: وما الفرق عمليًا بين ما أعلنه بنك السودان وما ندعو إليه؟
الفرق جوهري: ما أُعلن يمنح المصارف والصرافات حرية أكبر في تحريك أسعارها داخل السوق الرسمية، أما ما ندعو إليه فهو تحرير السوق نفسها ونقل مركز الثقل إليها؛ بحيث تتجمع فيها الكتلة الأساسية من العرض والطلب والتداول الفعلي، ويتكون السعر داخلها من معاملات حقيقية قابلة للتنفيذ، بدل أن تحدد السوق الموازية الاتجاه ثم تتحرك المؤسسات الرسمية خلفها. فالأولى حرية في تحريك السعر، أما الثانية فهي بناء سوق حقيقية يتكوّن السعر داخلها.
ويقتضي ذلك إنشاء منصة مركزية موحدة تربط البنوك والصرافات المرخصة، وتعرض أسعار البيع والشراء والكميات المتاحة بصورة مستمرة، ويستطيع المواطن والمغترب والمصدر والمستورد والمستثمر الاطلاع عليها من هاتفه، ومقارنة الأسعار واختيار الجهة الأنسب للتعامل معها.
ولا ينبغي أن تكون المنصة مجرد لوحة أسعار، بل سوقًا فعلية ترتبط بعروض بيع وشراء حقيقية، وسيولة متاحة، وتداول وتسوية قابلة للتنفيذ، بحيث يكون السعر المعروض سعرًا يمكن البيع والشراء عنده فعلًا. ويجب كذلك أن يسمح النظام بتداول النقد الأجنبي بحرية منظمة بين المصارف والصرافات، وأن تصبح السوق الرسمية جاذبة لحصائل الصادر والتحويلات والاستثمار وغيرها من مصادر النقد الأجنبي، حتى تتجه إليها طوعًا بحكم السعر والخدمة والثقة.
ولا يكتمل التحرير الحقيقي إلا إذا أتيح لمن يريد شراء الدولار أن يحصل عليه من السوق الرسمية مباشرة وبالسعر المتكوّن فيها، لأي غرض كان؛ للسفر، أو الادخار وحفظ قيمة أمواله، أو التجارة والاستثمار، أو غير ذلك، وبالسهولة والسرعة نفسيهما اللتين يستطيع بهما صاحب الدولار بيعه والحصول على مقابله بالعملة المحلية.
وهذه أغراض تلبيها السوق الموازية اليوم عمليًا؛ فإذا لم تستطع السوق الرسمية تلبيتها أيضًا، وبصورة أيسر وأأمن وأسرع، فلن تؤتي سياسة التحرير أكلها. فلا يكفي أن يكون السعر منافسًا، بل يجب أن تكون الخدمة نفسها منافسة: توافر العملة، وسرعة التنفيذ، وسهولة الوصول، وغياب التعقيد.
وعندئذ لا يكون السعر رقمًا إداريًا تفرضه الدولة، ولا سرًا تصنعه دوائر السوق الموازية، وإنما سعرًا ظاهرًا يتكون من العرض والطلب والمنافسة الحقيقية تحت تنظيم ورقابة البنك المركزي.
فالمطلوب ليس إنشاء سوق أخرى بجوار السوق القائمة، بل نقل سوق النقد الأجنبي نفسها من الظلام إلى النور؛ من سوق غير رسمية إلى سوق قانونية حرة وشفافة، مع بقاء آلية تكوين السعر نفسها: العرض والطلب.
لكن لا معنى للتحرير إذا أُثقلت السوق الرسمية برسوم وقيود وإجراءات تعيد منح السوق الموازية ميزتها القديمة؛ فالطريق الرسمي يجب أن يكون تنافسيًا في السعر والخدمة وسهولة الوصول.
وليست هذه التجربة جديدة على السودان؛ ففي 2021 طُبق نظام سعر الصرف المرن المدار، ثم انتقل بنك السودان في 2022 إلى ما سماه التحرير الكامل لسعر الصرف. وقد أظهرت التجربة أن تغيير آلية التسعير وحده لا يضمن استقرارًا مستدامًا ما دامت الاختلالات المالية والإدارية والقانونية، والتشوهات التي تعوق التحرير الحقيقي للسوق، قائمة؛ إذ إن ضعف الإنتاج وشح النقد الأجنبي من أبرز آثار هذه البيئة، لا من جذورها.
وقد كتبنا من قبل محذرين من أن مجرد تقريب السعر الرسمي من الموازي، من غير نقل الكتلة الأساسية لتداول النقد الأجنبي إلى السوق الرسمية، سيعيد الحلقة ذاتها ما دامت بنيتها قائمة: سوق موازية ترسل إشارة السعر، ومؤسسات رسمية تستجيب لها، ثم فجوة جديدة عند مستوى أعلى؛ وكل جولة من التقارب تنتهي بفجوة جديدة عند سعر أعلى.
والبديل ليس العودة إلى سعر إداري جامد لا تستطيع الدولة الدفاع عنه؛ فهذا أيضًا يطرد النقد الأجنبي من الجهاز المصرفي ويغذي التشوهات والاستثناءات. فالاختيار ليس بين سعر إداري مصطنع ومطاردة السوق الموازية، بل هناك طريق ثالث: سوق رسمية حقيقية يتكون السعر داخلها.
وهنا تظهر الصلة المباشرة بالاستثمار. فالمستثمر لا يريد فقط معرفة سعر الدولار اليوم؛ بل يريد أن يعرف كيف يدخل رأس ماله، وكيف يحول عوائده، وكيف يخرج أمواله عند الاستحقاق، وبأي آلية قانونية وشفافة. ولذلك فإن قيام سوق صرف حرة ومنظمة ومعلنة يزيل واحدة من أكبر العقبات أمام الاستثمار والتمويل.
لكن إصلاح سعر الصرف لا ينبغي أن يأتي منفردًا، بل ضمن حزمة متكاملة لإصلاح البيئة العامة، أو على الأقل بالتوازي معها: إصلاح المالية العامة، والحد من التمويل التضخمي، وإزالة الجبايات المشوهة، وتسهيل الإنتاج والصادرات، وإصلاح الجهاز المصرفي، وتعزيز الحوكمة والرقمنة وسيادة القانون.
ومتى صلحت هذه البيئة، تهيأت أسباب اتساع التحويلات عبر القنوات الرسمية، وتحسن تدفق الاستثمار والتمويل، وزيادة الإنتاج والإنتاجية، واتساع فرص التشغيل، وتحسن قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.
فسعر الجنيه في النهاية ليس رقمًا يقرره بنك السودان وحده؛ بل حصيلة ما ينتجه الاقتصاد وما يصدره ويستورده، وحجم النقد المحلي، وتدفقات الاستثمار والتحويلات، والثقة والأمن والسياسات العامة. ولذلك لا توجد منصة، مهما كانت ممتازة، تستطيع وحدها تقوية العملة إذا ظلت البيئة الاقتصادية التي تقف خلفها مختلة.
كما أن دور البنك المركزي في النظام المقترح لا يختفي، وإنما يتغير من صانع إداري للسعر إلى منظم للسوق وحارس لاستقرارها: يراقب المنافسة، ويمنع التلاعب، وينشر البيانات، ويسهّل تداول النقد الأجنبي بين المؤسسات المرخصة، ويبني الاحتياطيات، ويتدخل عند الاختلالات والتقلبات الحادة وفق أدواته وموارده.
ومن هنا فإن خشيتنا من القرارات الأخيرة ليست من مبدأ تحرير السعر، بل من أن يصبح تنفيذها مجرد مرونة للأسعار في بيئة ما زالت السوق الموازية صاحبة اليد الأعلى في اكتشاف السعر. وإذا استمرت هذه الآلية على حالها، فإننا نتوقع أن نشهد ارتفاعًا متواصلًا في سعر الدولار، لا رجمًا بالغيب ولا ضربًا في المجهول، وإنما استنادًا إلى التجارب السابقة وإلى منطق الآلية نفسها: كلما رفعت المؤسسات الرسمية أسعارها للحاق بالسوق الموازية، فتحت جولة جديدة من الارتفاع.
والأعجب أن موطن الخلل لم يكن يحتاج، في أصله، إلى تكرار التجربة حتى يُكتشف؛ فمنطق الآلية يثير السؤال منذ البداية: كيف يمكن للسوق الرسمية أن تلحق بسوق موازية تظل صاحبة المبادرة في تحريك السعر، ثم ننتظر أن تنتهي هذه المطاردة إلى استقرار؟
فإذا كانت البداهة العقلية كافية للتحذير من النتيجة قبل التجربة الأولى، فما بالك بعد أن تكررت التجربة وظهرت أضرارها مرة بعد مرة؟ إن تكرار السياسة ذاتها بعد ظهور ضررها، ثم الانسحاب منها تحت ضغط نتائجها، ثم، ومن عجب، العودة إليها مرة أخرى، ليس مجرد خطأ في التقدير الاقتصادي؛ بل مخالفة للبداهة العقلية: فلا يمكن إعادة الأسباب نفسها مرة بعد مرة ثم انتظار نتائج مختلفة.
وعندئذ، ويقينًا في تقديرنا، ستجد الدولة نفسها مضطرة إلى مراجعة هذا النهج أو الانسحاب عنه بعد أن ترتفع كلفته، فتكون النتيجة بلاءً فوق بلاء، وضغثًا على إبّالة.
المطلوب، إذن، ليس أن تلحق المصارف بالسوق الموازية، بل أن ننقل سوق النقد الأجنبي نفسها من الظلام إلى النور، مع بقاء السعر متكوّنًا بقوى العرض والطلب داخل سوق رسمية حرة وشفافة ومنظمة تنتقل إليها السيولة والتداول واكتشاف السعر. ويعني ذلك حرية التداول الكاملة في الاتجاهين: فمن يحمل الدولار ويريد الجنيه السوداني يبيعه فورًا بالسعر المتكوّن في السوق، ومن يحمل الجنيه ويريد الدولار يحصل فورًا على حاجته وبالقدر الذي يريده، من غير تعقيد أو تعطيل؛ وكذلك المصدر الذي يريد بيع حصيلة صادره، ومن يريد بيع ما لديه من ذهب عبر القنوات القانونية، يجد سوقًا مفتوحة وتنافسية تستوعب عرضه بالسعر الذي تصنعه السوق. وعندئذ لا تعود هناك سوق موازية تقود السعر من خارج النظام؛ لأن السوق نفسها تكون قد انتقلت من الظلام إلى النور.
وقد يستمر الجنيه، في بداية الأمر، في الهبوط بالمعدل نفسه تقريبًا الذي كان يمكن أن يهبط به عبر السوق الموازية؛ فمجرد نقل التداول إلى السوق الرسمية لا يلغي فورًا اختلالات الاقتصاد التي تضغط على سعر العملة. لكن الفارق في النتيجة الاقتصادية سيكون هائلًا: فحركة الأموال وما يرتبط بها من منافع وبيانات ورسوم كانت تتسرب خارج النظام الرسمي، وستعود إلى الدولة والمواطن والاقتصاد الوطني. ومع اتساع النشاط الرسمي والتداول والاستثمار والإنتاج، تتزايد الإيرادات العامة تدريجيًا، فتزداد قدرة الدولة على تمويل خدماتها الأساسية، والمساهمة الفاعلة في بناء مؤسساتها وحماية البلاد، وتحسين البنية الأساسية، ودعم النشاط المنتج. ومع اتساع الاستثمار والإنتاج والخدمات تتولد فرص عمل جديدة، وتنحسر البطالة تدريجيًا، وتتسع القاعدة الاقتصادية التي تولد الدخل والنقد الأجنبي. والأهم أن زوال ازدواج السوق وغموض السعر وصعوبة الدخول والخروج بالنقد الأجنبي يزيل واحدة من أكبر العقبات أمام الاستثمار والمستثمرين والتمويل، ويفتح الطريق أمام النهوض العام.





