
ليست الخرطوم مجرد عاصمة؛ إنها عنوان الدولة، ومرآة استقرارها، والمدينة التي يقاس من شوارعها ومؤسساتها مدى قدرة الدولة على استعادة عافيتها بعد الحرب.
ومن هنا تأتي قرارات لجنة أمن ولاية الخرطوم الأخيرة بإلغاء حظر التجوال والسماح للمواطنين بالعمل والحركة طوال اليوم، باعتبارها أكثر من مجرد إجراءات أمنية؛ فهي رسالة واضحة بأن عجلة الحياة بدأت تدور من جديد، وأن الاستقرار الذي ينشده المواطن لا يمكن أن يتحقق إلا عندما يشعر أن الشارع أصبح أكثر أمناً، وأن مؤسسات الدولة عادت إلى أداء أدوارها.
لكن خلف هذا المشهد تقف مؤسسة تتحمل العبء الأكبر في تفاصيل الأمن اليومي: شرطة ولاية الخرطوم.
فالحديث عن استقرار العاصمة لا يمكن أن ينفصل عن الدور الذي تقوم به الشرطة في حفظ الأمن الداخلي، ومكافحة الجريمة، وتأمين الأحياء والأسواق والطرق، والاستجابة للبلاغات، وتنظيم حركة المواطنين، والعمل في ظروف استثنائية فرضتها الحرب وما خلفته من تحديات أمنية واجتماعية كبيرة.
وفي هذا السياق، يبرز دور الفريق شرطة سراج الدين منصور، مدير شرطة ولاية الخرطوم، الذي وجد نفسه أمام مسؤولية ثقيلة: شرطة تعمل في عاصمة خرجت من حرب، ومواطن يريد أن يستعيد حياته، وواقع أمني يحتاج إلى يقظة مستمرة.
ولعل أهم ما يمكن التوقف عنده أن أمن الخرطوم لم يعد مسؤولية جهاز واحد. فالمرحلة الحالية أثبتت أن العمل المشترك بين الشرطة والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقوات المساندة هو الطريق الأكثر فاعلية للتعامل مع تعقيدات المشهد الأمني.
وهنا تحديداً تظهر قيمة القيادة التي تستطيع أن تجمع هذه المكونات حول هدف واحد: أمن المواطن واستقرار العاصمة.
نعم، هناك بعض الهنات، وهناك ملفات تحتاج إلى مزيد من المعالجة، وهناك شكاوى وملاحظات لا ينبغي تجاهلها. والاعتراف بذلك ليس انتقاصاً من أي مؤسسة، بل هو الطريق الطبيعي لتطوير الأداء. فالشرطة، مثلها مثل أي مؤسسة تعمل في ظروف الحرب، تواجه تحديات ضخمة، لكن المعيار الحقيقي هو قدرتها على التعلم من الأخطاء وتصحيح المسار والاستمرار في أداء واجبها.
وقرارات لجنة أمن الولاية تضع الشرطة أمام اختبار جديد.
إلغاء حظر التجوال يعني أن مسؤولية حماية الشوارع لم تعد مرتبطة بساعات محددة؛ بل أصبحت مسؤولية أمنية ممتدة على مدار اليوم. وعودة المواطنين إلى العمل والحركة تعني مزيداً من الحاجة إلى الانتشار الشرطي، والارتكازات، والأطواف، وسرعة الاستجابة، وضبط الأسواق والطرق والمواقع الحيوية.
كما أن تأمين امتحانات الشهادة الابتدائية لـ13,669 تلميذاً وتلميذة في 888 مركزاً ليس مجرد مهمة أمنية عابرة، بل رسالة إلى الأسر بأن الدولة تريد أن تحمي حق أبنائها في التعليم حتى في أصعب الظروف.
أما المشاركة في درء آثار الخريف، فهي تؤكد أن مفهوم الأمن اليوم أصبح أوسع من مكافحة الجريمة؛ فالأمن يعني أيضاً حماية الإنسان من مخاطر السيول والأمطار، والمشاركة في إغاثة المتضررين، ومساندة مؤسسات الولاية في الأزمات.
الخرطوم الآن أمام مرحلة جديدة.
مرحلة لا يكفي فيها أن نعلن انتهاء حظر التجوال، بل المطلوب أن يشعر المواطن فعلياً بأن الشارع آمن، وأن القانون حاضر، وأن الشرطة قريبة منه، وأن مؤسسات الدولة تعمل بروح الفريق الواحد.
الفريق سراج منصور أمام مسؤولية كبيرة، لكن البصمة الحقيقية لأي قيادة أمنية لا تقاس بالتصريحات، وإنما بما يراه المواطن في الشارع.
فالخرطوم لا تحتاج فقط إلى عودة السكان إليها، بل تحتاج إلى عودة الثقة.
وحين تتحرك الحافلات ليلاً، وتفتح الأسواق أبوابها، ويعود العامل إلى عمله، ويذهب الطالب إلى مدرسته، وتمارس الأسرة حياتها الطبيعية دون خوف؛ عندها فقط يمكن القول إن العاصمة بدأت تتعافى.
الشرطة في قلب هذه المعادلة.. واستقرار الخرطوم يبدأ من أمن شوارعها.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شرطة أكثر حضوراً، وأكثر قرباً من المواطن، وأكثر اعتماداً على العمل المشترك، وأكثر صرامة في مواجهة الجريمة، وفي الوقت نفسه أكثر استجابة لشكاوى الناس واحتياجاتهم.
فالخرطوم تستحق أن تعود.
والحياة لا تعود إلى العاصمة إلا حين يعود إليها الأمن أولاً.





