تحديث بيانات الحسابات… ضرورة مصرفية تحتاج إلى فقه الواقع
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

أثار طلب تحديث بيانات العملاء قدرًا من القلق والجدل، ولا سيما بعد أن أفاد عدد من مستخدمي تطبيق «بنكك» بظهور رسالة تطلب منهم مراجعة أقرب فرع لبنك الخرطوم لتحديث بياناتهم. والحقيقة أن تحديث بيانات العملاء، رغم ما سيأتي من تحفظات على بعض جوانب تطبيقه، هو في أصله إجراء محمود وضروري؛ فالمصرف لا ينبغي أن يدير أموالًا بهويات قديمة أو بيانات ناقصة، كما أن التحقق الدوري من هوية أصحاب الحسابات وبياناتهم يساعد على ضبط التعاملات، وحماية الحسابات، والحد من إساءة استخدامها، وتعزيز سلامة الجهاز المصرفي والثقة فيه.
وقد أحسن بنك الخرطوم حين أصدر توضيحًا بيّن فيه أن التحديث يتعلق بالحسابات المفتوحة قبل عام 2025، وأنه مجاني، ويشمل مراجعة عدد من بيانات العملاء، كما أعلن أنه يعمل على توفير قنوات تمكن الموجودين خارج السودان من إكمال التحديث.
ولعل من أكبر المحامد التي شهدها السودان في السنوات الأخيرة الانتشار الواسع للتعامل المالي عبر التطبيقات المصرفية، حتى كاد استخدامها يشمل معظم فئات المجتمع: الطالب، والحمال، والموظف، والعامل الحر، وصاحب النشاط الصغير، بل وحتى بعض المتسولين. وقد سهّل ذلك حياة الناس بصورة كبيرة، واختصر كثيرًا من الوقت والجهد والتنقل، وخفف الحاجة إلى تداول النقد الورقي وحمله ونقله، ويُفترض بطبيعته، مع اتساعه، أن يخفف الحاجة إلى طباعة ونقل وتأمين كميات أكبر من أوراق البنكنوت، كما شجع على بقاء جانب أكبر من التعاملات داخل القنوات المصرفية بدل تداولها نقدًا خارجها، بما لذلك من مزايا في سرعة التحويل، وتقليل مخاطر حمل النقد، وتعزيز الرقمنة والشمول المالي. وهذه مكاسب ينبغي المحافظة عليها وتطويرها، لا تعريضها للانتكاس بسبب إجراءات قد تدفع بعض المواطنين إلى العودة إلى التعامل النقدي خارج المصارف.
لكن المشكلة ليست في مبدأ التحديث، وإنما في كيفية تنزيله على واقع السودان. فما يصلح في بلد مستقر، تتقارب فيه المدن وتنتظم فيه المواصلات والكهرباء والإنترنت وتنتشر الفروع المصرفية، لا يجوز نقله بحذافيره إلى بلد أنهكته الحرب، وتباعدت مسافاته، وتعطلت فيه فروع، وانقطعت شبكات الاتصال والكهرباء في مناطق كثيرة، وتوزع ملايين مواطنيه بين النزوح واللجوء والهجرة.
وفي السودان مواطن قد تفصله مئات الكيلومترات عن أقرب فرع عامل، وآخر في دارفور أو كردفان أو غيرهما لا يستطيع الوصول إليه لأسباب أمنية، وثالث خارج البلاد في دولة لا يوجد فيها فرع لمصرفه، فضلًا عن كبار السن والمرضى وأصحاب الظروف الخاصة. فهل يكون العجز عن الوصول إلى البنك سببًا في حرمان هؤلاء من الوصول إلى أموالهم؟
وهناك إشكال آخر بالغ الأهمية يتعلق بـإثبات مصدر الدخل؛ فجزء كبير من النشاط الاقتصادي السوداني يجري خارج القطاع الرسمي. فالحمال، وبائع الخضار، والسباك، والحداد، والعامل الحر، وصاحب المهنة الصغيرة قد يكون له دخل منتظم، بل ربما جيد، لكنه لا يملك عقد عمل ولا سجلًا تجاريًا ولا ترخيصًا ولا شهادة راتب تثبته. وينطبق الأمر كذلك على أعداد ضخمة من العاملين في التعدين الأهلي وما يرتبط به من خدمات وأعمال؛ فقد تمر عبر حساباتهم مبالغ معتبرة ناتجة في الأصل عن نشاط حقيقي ومعلوم في بيئتهم، ولا يغيّر من ذلك أن كثيرًا منهم لا يحمل مستندات رسمية تقنن مهنته أو تثبت دخله بالصورة التقليدية. وهناك أيضًا من يفوضه قريب مغترب فيستقبل تحويلاته وينفق منها على والديه أو أسرته أو ممتلكاته والتزاماته داخل السودان.
وهذه كلها صور طبيعية وشائعة في واقع الاقتصاد السوداني، ولا ينبغي أن تتحول بسبب غياب الورقة الرسمية وحده إلى موضع اشتباه تلقائي. فعدم قدرة صاحب الحساب على تقديم مستند رسمي يثبت دخله لا تعني أن دخله بلا مصدر معروف أو مشروع؛ فقد يكون مصدره واضحًا في واقعه ومعيشته، لكن طبيعة عمله لا تنتج أصلًا عقدًا أو راتبًا أو سجلًا أو فاتورة رسمية.
ومن هنا، ينبغي أن تراعي متطلبات إثبات مصدر الدخل طبيعة الاقتصاد السوداني، وألا تُحصر في المستندات الرسمية وحدها؛ إذ إن قطاعًا واسعًا من المواطنين يكسب دخله من أعمال حقيقية ومشروعة لا تنتج بطبيعتها عقودًا أو شهادات راتب أو سجلات وفواتير رسمية. والمطلوب هو التحقق من مصدر الأموال بصورة معقولة تتناسب مع طبيعة نشاط العميل وحجم معاملاته، مع قبول وسائل بديلة للإثبات أو الإقرار متى كانت مناسبة، وتشديد التحقق فقط عندما تكون حركة الأموال غير متناسبة بوضوح مع النشاط المعلن أو تستدعي مراجعة خاصة. وإلا فإننا نخاطر بإقصاء قطاع واسع من المواطنين من الجهاز المصرفي لمجرد أن اقتصادهم غير موثق، لا لأن أموالهم غير مشروعة.
ثم إن السودان بلد تتفاوت فيه مستويات التعليم والوعي المصرفي والرقمي، وقد تُفهم القرارات والإشعارات المقتضبة على غير وجهها، فتنتشر الشائعات سريعًا: هذا يظن أن حسابه سيصادر، وذاك يسارع إلى سحب أمواله، وثالث يعتقد أن التحديث يستهدف فئة بعينها. وهنا تصبح طريقة مخاطبة الناس جزءًا من سلامة القرار نفسه، لا أمرًا هامشيًا.
والأثر الأخطر أن يؤدي الخوف من تجميد الحسابات أو العجز عن إثبات الدخل إلى سحب الأموال من المصارف والعودة إلى الاحتفاظ بالنقد والتعامل خارج الجهاز المصرفي؛ فنكون قد سعينا إلى زيادة الانضباط والشفافية، فإذا بطريقة التنفيذ تحقق نتيجة معاكسة للشمول المالي والرقمنة وجذب الكتلة النقدية إلى المصارف.
لذلك كان الأوفق أن يسبق التنفيذ الواسع بيان موحد وواضح من بنك السودان يشرح لماذا يتم التحديث، ومن يشمله، وما البيانات والمستندات المطلوبة، وما البدائل المقبولة لإثبات مصادر الدخل غير الرسمي، وما المهلة، وماذا يحدث عند انتهائها، وما أوضاع النازحين والمقيمين في مناطق الحرب والسودانيين بالخارج، وأن تصل الرسالة إلى المواطنين بلغة سهلة عبر المصارف ووسائل الإعلام والرسائل النصية والتطبيقات.
والأهم أن يكون الأصل هو التحديث عن بُعد كلما أمكن: عبر تطبيقات المصارف، برفع وثيقة الهوية وتأكيد الهاتف والعنوان والبيانات الأخرى والاستفادة من وسائل التحقق الإلكتروني، ولا يُطلب الحضور الشخصي إلا عندما توجد ضرورة حقيقية لذلك. ويُحسب لبنك الخرطوم أنه أعلن أنه يعمل على توفير إجراءات وقنوات تمكّن عملاءه الموجودين خارج السودان من تحديث بياناتهم، وهي خطوة جديرة بالإشادة، ونأمل أن تُستكمل سريعًا وأن تتوسع لتشمل أكبر قدر ممكن من وسائل التحقق عن بُعد، وأن تمتد الفكرة كذلك إلى المواطنين داخل السودان الذين تحول المسافات أو الحرب أو تعطل الفروع دون وصولهم إليها، عبر مراكز مؤقتة أو متنقلة أو أي ترتيبات أخرى مناسبة للواقع.
كما ينبغي ألا ينتقل النظام من الإشعار مباشرة إلى تجميد الحساب، وإنما يتدرج في التنبيه والمهل والقيود، مع التمييز بين عميل معروف الهوية عجز عن التحديث أو توثيق دخله لظرف طبيعي، وحساب توجد بشأنه أسباب تستدعي مراجعة خاصة. فليس من العدل ولا من حسن السياسة المصرفية مساواة الحالتين.
إن السودان أحوج ما يكون اليوم إلى تحديث جهازه المصرفي ورقمنته وتشديد الرقابة عليه، وتحديث بيانات العملاء جزء من ذلك بلا شك. لكن الإصلاح الناجح ليس إصدار القرار الصحيح فحسب؛ بل اختيار الطريقة والتوقيت والمعايير التي تحقق غايته بأقل ضرر ممكن.
فالقاعدة التي نحتاج إليها بسيطة: حدِّثوا البيانات، واضبطوا الحسابات، ولكن راعوا الحرب والمسافات وانقطاع الكهرباء والإنترنت والنزوح والاغتراب، وراعوا كذلك طبيعة اقتصاد يعيش فيه ملايين الناس من أعمال ومهن لا تمنحهم شهادة راتب ولا سجلًا تجاريًا ولا مستندًا لكل جنيه يكسبونه. واجعلوا الخدمة، ما أمكن، تصل إلى المواطن بدل أن تجعلوا المواطن في كل الأحوال مضطرًا للوصول إليها.
هكذا نجمع بين صرامة الرقابة وواقعية التطبيق، ونبني جهازًا مصرفيًا أكثر أمنًا وحداثة، من غير أن يشعر المواطن البسيط أو العامل في الاقتصاد غير الرسمي بأنه موضع اشتباه لمجرد عجزه عن تقديم مستندات لا تنتجها طبيعة عمله أصلًا.





