
سماسرة الموت..!!
▪️ حين اندلعت نيران حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، وتوارت هيبة الدولة تعرت خلف دخان القصف النفوس على حقيقتها الخشنة، لتتصادم في الطرقات والشوارع الممتلئة بالوجع صورتان لا تقبلان القسمة؛ صورة قاتمة يرسمها تجار الأزمات وسمسرة العلاج الذين استباحوا أوجاع المرضى بلا ذرة رحمة، وصورة أخرى مضيئة تزرع النور في قلب العتمة بفضل النخوة الإنسانية النبيلة.
▪️ فما إن توغلت موجات النزوح والتشرد في مفاصل المدن المنكوبة، حتى انبرى رهط من تجار الدواء لاحتكار الأقراص المنقذة للحياة ورفع أثمانها بشكل جنوني، متعهدين بامتصاص آخر قطرة عرق من كاهل مريض غارق في أتون الألم وقسوة الوجع التي لا ترحم ضعيفاً.
▪️ وفي خضم هذا الطوفان، تجسدت قسوة المشهد في سوق الدواء الموازي، حيث برز التاجر أبكر كواحد من أبرز سماسرة و«شفشافة» الدواء في زمن المليشيا البائس؛ كان يغير على صيدليات وسط الخرطوم المنهوبة ليأتي بالدواء «المشفشف» ويبيعه كيف شاء ودون رقيب أو حسيب. وإذا سأله مريض محطّم عن اسم دواء أو استشاره في علته، كان يجيبه بكل صلف وقسوة: «أنا ما بعرف الدواء.. لكن لو إنت بتعرف دواك شيلو وَتَعَال نحاسبك!».
▪️ وتحت وطأة هذا الجشع، وقف الحاج أحمد، الذي انقطع به حبل التواصل مع أبنائه المغتربين، يتوسل ذلك التاجر بأن يقرضه ثمن حقنة دواء منقذة إلى حين ميسرة، لكن أبكر رفض بكل غلظة وتصلف، ليعود أحمد إلى منزله خائباً دامع العينين، تجر خطاه خيبة المهانة وشقوة الاحتياج.
▪️ ولم يتوقف سيل الاستغلال عند حدود الصيدليات المارقة، بل امتد كالوباء ليطال أرواح الهاربين عبر شبكات ضارية من سماسرة العلاج الذين ضاعفوا أجور العمليات الجراحية بصورة خيالية أذهلت عقول البشر، غير عابئين بدموع الأمهات الحيارى ولا بانكسار الآباء وهم يجرون أذيال الخيبة.
▪️ وبلغ الانهيار الأخلاقي ذروته المفجعة حين ادعى البعض الطب خلال الحرب وأصبحوا أطباء فجأة، وتمادى آخرون ليغدوا جراحين يمسكون بالمشارط بلا علم ولا دراية، في مهازل مهنية مرعبة تحول فيها الممرضون إلى أخصائيين، وصار خفراء المستشفيات وعمالها ممرضين و«سيسترات» في زمن المليشيا البائس، حيث وُلِد جيل من «طبيب خلا» على وزن «فريق خلا».
▪️ وفي مقابل هذا السقوط، اضطر كثير من الأطباء والاستشاريين إلى مغادرة البلاد بعد استحالة البقاء وسط هذا الجحيم، حيث خسر الآلاف من الأطباء وفقدوا معداتهم وعياداتهم التي تعرضت لسلب متعمد أو نهب بجهل لقيمة هذه الأجهزة والمعدات الطبية النفيسة، وهؤلاء أولى بالتعويض والإسناد من قبل الدولة لحوجة المواطن قبل الوطن لتلك الأيادي البيضاء التي لم تلطخها دماء التعاون المليشي.
▪️ وفي الضفة المقابلة، وبينما كانت هذه الغيوم السوداء تسدل أستارها على وجوه المرضى، أبت النماذج السودانية النبيلة إلا أن تخط بمداد الفخر آيات التكافل، فظهر أطباء أحرار وصيادلة أشراف فتحوا أبواب عياداتهم قبل قلوبهم للمحتاجين، مسطرين أروع ملاحم الشهامة والإنسانية الخالصة.
▪️ وبرز من بين هؤلاء الأطهار الأخصائي الدكتور عمر أبشر عبد الرحمن في مدني وغيره من الأطباء العفيفين في بقية ولايات السودان ممن جعلوا عياداتهم مفتوحة لكل عليل مجاناً أو دون أن يضيفوا قرشاً واحداً فوق سعر التكلفة، ليكونوا طوق نجاة حقيقياً لجيوب المرضى المتعثرة، باحثين عن الأجر الإلهي لا عن ربح دنيوي زائل في زمن تعطلت فيه لغة الضمائر.
▪️ ولم تكن العيادات وحدها هي من تنشر الضياء، بل انبرى صيادلة رحماء لتقديم الأدوية مجاناً على مصراعيها، فآووا آلام أسر كاملة هربت من جحيم المرض ورفضوا تقاضي مليم واحد أجرة للعلاج لأشهر طويلة، مكرمين ضيافتهم بعزة نفس وكرم أصيل لا يعرف التمنن ولا الأذى.
▪️ وتتلاحم هذه الشهادة الواقعية المرة مع مشهد المستشفيات التي هوت أركانها على بعضها، فتحولت المؤسسات العلاجية التي كانت إلى عهد قريب ملاذاً للشفاء وطوق نجاة، إلى جدران خاوية تفتقر لأبسط مقومات البقاء والإنقاذ الآدمي للمرضى والموجوعين.
▪️ وتردى حال نفر غير قليل من الكوادر الطبية في خضم تلك الفوضى العارمة، فانحدروا لدرك تجار أزمات يقتاتون على آهات المرضى ويسطون على الدواء المدعوم ليطرحوه في السوق السوداء بأثمان خيالية، مكدسين الثروات على حساب أجساد تئن ودماء تسيل بلا نصير.
▪️ وتواطأت شبكات خلف الكواليس لإخفاء المساعدات الطبية وتوجيه الأدوية المنقذة للحياة نحو دكاكين الواجهة، بينما تصرخ أقسام الطوارئ المشتعلة بالنداءات العاجلة دون أن تجد حبة دواء واحدة، في استهتار دموي بكرامة الإنسان وحقه الأبدي في الحياة.
▪️ على حين استغلت منظمات محلية ودولية فقر الحاجة أبشع استغلال، فتحولت قوافل الإغاثة والشحنات الدوائية إلى مجرد لافتات دعائية براقة تلتقط تحتها الصور، بينما يواجه المرضى الحقيقيون في غرف العزل المظلمة موتاً بطيئاً ومظلماً ينخر في أجسادهم بصمت وهوان.
▪️ وتوغل السقوط المهني حتى أكل أخضر الأخلاق الطبية ويابسها، إذ توارت هيبة اليمين الذي أقسم عليه الأطباء لحفظ الأنفس خلف غشاوة من الجشع المادي الأعمى الذي لا يبصر في المريض سوى ورقة نقدية قابلة للتبديل والربح السريع.
▪️ وخلّف هذا العبث المستشري ندوباً دامية ومباشرة في أرواح المرضى وأصحاب العلل المزمنة، الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين خيارين أحلاهما علقم؛ إما الاستسلام لموت بطيء ومؤلم، أو بيع ما يملكون من حطام الدنيا لتأمين حقنة دواء تسكن الوجع أو سرير مهالك.
▪️ ولم تتوقف شكاوى المتألمين عند هذا الحد، بل تعالت الصرخات تنديداً بغياب الرقابة التامة على الصيدليات المستحدثة والسوق الموازي الذي يعبث بالأمن الدوائي للبلاد؛ فمتى يعود للوطن نبضه الطاهر، وهل يغسل المطر القادم آثار هذا الرماد كله لينبت الزهر من جديد؟





