النفايات… بين الفوائد والبوائق (1 من 4): عالمٌ ينتج مليارات الأطنان… فأين تذهب؟
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

ما نسميه ببساطة «الزبالة» أصبح تحديًا بيئيًا وصحيًا واقتصاديًا عالميًا. فكل ما نستهلكه تقريبًا يخلّف شيئًا: طعامًا، أو عبوات، أو ورقًا ومعادن وأجهزة، أو مخلفات بناء وزراعة وصناعة وطب وتعدين. والمشكلة ليست في وجود النفايات وحده، بل في تضخمها وما تحتويه وكيف نتعامل معها.
ويقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن النفايات البلدية الصلبة بلغت نحو 2.1 مليار طن عام 2023، وقد ترتفع إلى 3.8 مليارات طن بحلول 2050 إذا استمر المسار الحالي.
وليست النفايات نوعًا واحدًا؛ فمنها العضوية، والورق والكرتون والبلاستيك والزجاج والمعادن والمنسوجات، ومخلفات البناء والزراعة والصرف، ثم الصناعية والكيميائية والطبية والإلكترونية والتعدينية، وصولًا إلى الخطرة والسامة والمشعة. ولكل نوع طريقة تناسبه؛ فما يصلح لبقايا الطعام قد يكون كارثة إذا طُبق على البطاريات أو المواد الكيميائية والمخلفات الطبية.
وتكشف النفايات الإلكترونية سرعة نمو المشكلة؛ فقد أنتج العالم نحو 62 مليون طن عام 2022، ولم يوثق جمع وإعادة تدوير سوى 22.3% منها بطريقة سليمة بيئيًا، ويتوقع أن تبلغ 82 مليون طن عام 2030. والمفارقة أنها تحتوي مواد ضارة إذا عولجت عشوائيًا، وفي الوقت نفسه تضم النحاس والألمنيوم والذهب والفضة ومعادن أخرى ذات قيمة.
والغذاء مثال آخر للهدر؛ إذ قُدّر ما أهدرته الأسر وخدمات الطعام والتجزئة عام 2022 بنحو 1.05 مليار طن، أي قرابة خُمس الغذاء المتاح للمستهلكين. ولا يهدر الطعام وحده، بل تضيع معه المياه والأرض والطاقة والعمل والمال التي أنفقت لإنتاجه.
أما البلاستيك، فجمع بين رخص الثمن وتعدد الاستخدامات من جهة، وطول بقاء كثير من أنواعه في البيئة من جهة أخرى، حتى أصبح سوء جمعه والتخلص منه مشكلة تمتد من المدن إلى الأنهار والبحار.
وتتعاظم المشكلة حين نخلط الطعام والورق والبلاستيك والزجاج والبطاريات والأدوية والإلكترونيات في وعاء واحد؛ فتتلوث مواد كان يمكن استردادها، وترتفع تكلفة الفرز، وقد تتسرب المواد الضارة. أما المكبات المفتوحة والحرق العشوائي فيضيفان تلوث الهواء والتربة والمياه ومخاطر الحرائق والصحة.
لذلك لم يعد السؤال الصحيح: أين نرمي الزبالة؟ بل: كيف ننتج أقل، ونفصل ما أنتجناه، ونعيد استخدام أو تدوير ما يمكن، ونعالج المتبقي بأقل ضرر؟
ومن هنا ظهر مفهوم الاقتصاد الدائري بدل النموذج القديم: نستخرج المواد، ونصنع، ونستهلك، ثم نرمي. فالاقتصاد الدائري يسعى إلى تقليل النفايات منذ تصميم المنتج، وإطالة عمره وإصلاحه وإعادة استخدامه، ثم إعادة مواده إلى دورة الإنتاج قدر الإمكان.
والقضية اقتصادية أيضًا؛ فقد قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة التكلفة المباشرة لإدارة النفايات عالميًا بنحو 252 مليار دولار عام 2020، وترتفع إلى 361 مليارًا عند احتساب آثار التلوث والصحة والمناخ، وقد تبلغ نحو 640 مليار دولار سنويًا بحلول 2050 إذا لم يتغير المسار.
ونحن في السودان نستطيع أن نبدأ بما هو أبسط وأهم من المصانع الضخمة: تنظيم الجمع، ومنع الرمي والحرق العشوائيين، والفصل التدريجي من المصدر، وإنشاء محطات فرز ومدافن صحية، وفصل المخلفات الطبية والكيميائية والإلكترونية والخطرة عن النفايات العادية. ويمكن تنفيذ ذلك تدريجيًا وفق إمكانات كل مدينة ومحلية.
لكن نجاح هذه الجهود واستدامتها مرتبطان بإصلاح البيئة الكلية؛ فلا منظومة حديثة تستقيم طويلًا مع ضعف الإدارة والرقابة، وعدم إنفاذ القانون، واضطراب التمويل والكهرباء والنقل والاستثمار. وليس المطلوب انتظار إصلاح كل شيء، بل أن نبدأ بما نستطيع، مع بناء المؤسسات والاقتصاد والبنية الأساسية التي تجعل النجاح مستدامًا.
والأهم أن ما نلقيه ليس كله عبئًا؛ فالمواد العضوية قد تصبح سمادًا أو غازًا، والمعادن والزجاج والورق وبعض البلاستيك يمكن أن تعود إلى المصانع، والأجهزة القديمة تحتوي معادن ثمينة، ومخلفات الزراعة والصناعة قد تصبح مدخلات لمنتجات جديدة. وفي المقابل توجد نفايات خطرة لا تكون الغاية منها الربح، بل معالجتها وعزلها بأمان.
ومن هنا يبدأ الوجه الآخر للقصة: كيف استطاعت دول أن تنظر إلى ما يرميه الناس فلا ترى «زبالة» فحسب، بل مواد خامًا وطاقةً وصناعةً ووظائف ومالًا؟
ذلك هو موضوع المقال القادم بإذن الله.





