
حين يُذكر اسم جامعة كردفان لا يتبادر إلى الذهن حرم جامعي أو قاعات دراسية أو مبانٍ أكاديمية فحسب بل تتداعى إلى الذاكرة آلاف القصص الإنسانية التي صنعتها هذه المؤسسة عبر مسيرتها الممتدة لستة وثلاثين عاماً فخلف كل خريج من خريجيها حكاية نجاح وخلف كل شهادة منحتها الجامعة قصة كفاح وخلف كل دفعة تخرجت مشروع حياة جديد أضيف إلى رصيد الوطن.
خمسة وأربعون ألف خريج وخريجة ليسوا مجرد رقم في سجلات الجامعة وإنما يمثلون جيشاً من الكفاءات والكوادر التي انتشرت في مؤسسات الدولة وقطاعات الصحة والتعليم والزراعة والهندسة والإدارة والخدمات داخل السودان وخارجه وهؤلاء الخريجون هم الشاهد الحقيقي على الدور الذي لعبته جامعة كردفان في صناعة الإنسان وتأهيله وتمكينه من الإسهام في بناء المجتمع.
ومنذ تأسيسها لم تنظر الجامعة إلى التعليم باعتباره عملية أكاديمية فحسب بل باعتباره مشروعاً وطنياً متكاملاً لبناء الإنسان وصناعة الوعي وترسيخ قيم الانتماء والعطاء والمسؤولية ولذلك ظلت مرتبطة بقضايا مجتمعها حاضرة في همومه وتطلعاته ومؤمنة بأن الجامعة الحقيقية هي التي تخرج العقول وتشارك في صناعة المستقبل.
وخلال السنوات الأخيرة وخاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب برز دور إدارة الجامعة بقيادة البروفيسور عبدالله محمد عبدالله الذي قاد المؤسسة بروح المسؤولية والرؤية الواضحة واضعاً نصب عينيه المحافظة على استقرار الجامعة واستمرار رسالتها العلمية والمجتمعية فقد أدرك أن التحديات مهما بلغت لا ينبغي أن تعطل مسيرة التعليم وأن الجامعة التي تتوقف عن أداء دورها تفقد جزءاً من رسالتها تجاه الوطن والمجتمع.
وبفضل هذه الرؤية نجحت الإدارة في إدارة واحدة من أصعب المراحل في تاريخ الجامعة فحافظت على استقرار العملية الأكاديمية وعملت على توفير بدائل الطاقة وخدمات الإنترنت ووسعت الاعتماد على التعليم الإلكتروني إلى جانب التعليم المباشر الأمر الذي مكن الجامعة من مواصلة نشاطها وتجاوز الكثير من العقبات التي فرضتها الحرب
كما نجحت الإدارة في ترسيخ ثقافة العمل المؤسسي وتعزيز روح الفريق الواحد بين منسوبي الجامعة والمحافظة على الكوادر الأكاديمية والإدارية وحماية ممتلكات الجامعة وأصولها وسمعتها العلمية وهي جهود لم تكن لتتحقق لولا وجود قيادة آمنت بأن النجاح مسؤولية جماعية وأن الإنجاز الحقيقي تصنعه المؤسسات لا الأفراد.
ومن أبرز ثمار هذا الاستقرار نجاح الجامعة في معالجة مشكلة تراكم الدفعات وتخريج ثلاث دفعات في تخصصات مختلفة على مستوى البكالوريوس والدبلوم التقني والدراسات العليا خاصة في المجالات الصحية التي أسهمت في سد النقص في الكوادر المؤهلة بالولاية خلال سنوات الحرب
وعندما جاءت الحرب بما حملته من أعباء على المجتمع لم تنكفئ الجامعة على نفسها بل واصلت أداء دورها الوطني والإنساني فشاركت في دعم مراكز الإيواء وأسهمت عبر كلية المجتمع ومركز دراسات السلام والتنمية في نشر ثقافة السلام والتسامح وقبول الآخر ومحاربة خطاب الكراهية والعنصرية والجهوية تأكيداً لدورها في بناء مجتمع متماسك وآمن.
وعلى صعيد التنمية والتطوير لم تتوقف عجلة البناء داخل الجامعة فقد شهدت السنوات الماضية إنشاء مقر دائم لإدارة الجامعة وتأسيس مركز طب وجراحة الأسنان الذي أصبح من أبرز المراكز الصحية في غرب السودان مقدماً خدماته لآلاف المواطنين شهرياً إلى جانب دوره في تدريب الطلاب وتنفيذ البرامج العلاجية المجانية
كما أنشأت الجامعة مركز الدراسات الإحصائية والمعلوماتية دعماً للتحول الرقمي وخدمة مؤسسات الولاية ومضت في تنفيذ مشروعات جديدة تشمل معمل الحاسوب الحديث بكلية دراسات الحاسوب والإحصاء ومركز ريادة الأعمال فضلاً عن إنشاء مركز بحوث واستشارات الحبوب الزيتية للاستفادة من الموارد الاقتصادية التي يتميز بها إقليم كردفان.
ولم يكن مستغرباً أن تحصد الجامعة الجوائز والتكريمات في المحافل العلمية الدولية وأن تنال جائزة أفضل جامعة خلال فترة الحرب فهذه النجاحات لم تكن سوى انعكاس طبيعي لمسيرة من العمل الجاد والتخطيط والإصرار على الإنجاز
إن قصة جامعة كردفان هي في حقيقتها قصة إدارة واعية وأساتذة مخلصين وعاملين أوفياء وطلاب آمنوا برسالتهم التعليمية وهي قبل ذلك كله قصة مؤسسة جعلت من الإنسان محور اهتمامها الأول فكان حصادها أكثر من خمسة وأربعين ألف خريج وخريجة يحملون رسالتها إلى المجتمع.
فاصلة
ولهذا فإن أعظم ما أنجزته جامعة كردفان خلال ستة وثلاثين عاماً ليس المباني ولا المشروعات ولا الجوائز وإنما الإنسان الذي صنعته والعقول التي أطلقتها إلى فضاءات العلم والعمل والعطاء
وهكذا ستظل جامعة كردفان منارة للعلم في كردفان والسودان ورمزاً للعطاء الوطني ونموذجاً يؤكد أن المؤسسات التي تمتلك قيادة رشيدة ورسالة واضحة تستطيع أن تصنع النجاح حتى في أصعب الظروف
اللهم آمنا في أوطاننا




