مقالات

السرطان… حين ينتصر القلب قبل الجسد

كبسولة صحية| العقاد خالد محي الدين

 

ليس السرطان نهاية الطريق، ولا حكما مؤبدا بالموت، كما يتخيله كثير من الناس. إنه ابتلاء ثقيل، يختبر صلابة الإيمان، ويكشف معدن النفوس، ويعلم الإنسان أن الحياة ليست بعدد السنوات، وإنما بما يملأ القلب من يقين.
وفي هذه الكبسولة، أسطر تجربة أحد الأصدقاء كما عاشها، لا لأقول إنها تصلح لكل مريض، فلكل حالة خصوصيتها، وإنما لأنها تروي كيف يمكن للأمل والإيمان والالتزام بالعلاج أن يصنعوا للمريض قوة تعينه على مواجهة المحنة.
يقول:
حين سمعت اسم المرض لأول مرة، شعرت أن الزمن توقف، وأن كل ما حولي أصبح صامتا. كان الخبر ثقيلا، لكنه لم يكن أثقل من يقيني بأن الذي أنزل الداء هو وحده القادر على إنزال الشفاء.
لم أسأل: لماذا أنا؟
بل سألت نفسي: كيف أخرج من هذا الابتلاء أقرب إلى الله، وأقوى من الأمس؟
وبعد استشارة عدد من الأطباء، لم أوافق على أخذ عينة من الكبد، بعدما رأى بعضهم أن نتائج المسح الذري والفحوصات كانت كافية في حالتي لوضع الخطة العلاجية. فمضيت في طريقي آخذا بالأسباب، مطمئنا إلى أن الطبيب يعالج، أما الشفاء فلا يملكه إلا رب الطبيب.
ومنذ ذلك اليوم، اتخذت قرارا قد يكون أصعب من المرض نفسه… ألا أجعل السرطان يعيش في داخلي قبل أن يعيش في جسدي.
رفضت أن أستسلم له، أو أن أجعل اسمه يتردد في كل مجلس، أو أن أستيقظ كل صباح وأنا أعد الأيام التي أخذها مني. بل كنت أعد النعم التي أبقاها الله بين يدي، وأحمده عليها.
كنت أخرج إلى عملي، وأمارس حياتي ما استطعت، وأتناول علاجي في مواعيده، وأحرص على غذاء صحي يقوي الجسد، لأنني كنت أؤمن أن العلاج لا يعمل وحده، وإنما يحتاج إلى نفس تؤمن بالحياة.
ولم أترك للعقل فرصة ينسج أوهامه. ملأت وقتي بالكتابة، والشعر، والقراءة، والتأمل، لأن الفكر إذا عمر بالخير، ضاق فيه مكان الخوف.
أما الغضب، فقد ودعته، والحزن سلمته لله، والقلق تركته على باب الدعاء، فما وجدت دواء للقلب أنفع من الرضا.
وفي رحلتي إلى الله، وجدت ما لم أجده في أي مكان آخر.
حافظت على الصلاة، وأكثرت من الصلاة على سيدنا محمد ﷺ، ولازمت سورة البقرة، وجعلت الصدقة رفيقة أيامي، أقدمها وأنا أوقن أن خزائن الله لا تنفد، وأن رحمته أقرب إلينا من كل دواء.
وكان لأفراد أسرتي فضل لا ينسى.
لم يجعلوا المرض ضيفا دائما على مائدتنا، ولم يحولوا البيت إلى مجلس عزاء ينتظر المجهول. كانوا يتعاملون معي كما كنت قبل المرض، يزرعون في وجهي الابتسامة، ويخفون خوفهم حتى لا يزرعوا خوفي.
كانوا يتابعون علاجي وجلساتي الإشعاعية بمحبة، ومع ذلك كنت أذهب إلى كثير منها وحدي، لا لأنني أرفض سندهم، وإنما لأنني كنت أريد أن أرى نفسي واقفا، لا متكئا، وأن أتعلم كيف أصادق ضعفي حتى يتحول إلى قوة.
وفي الطريق، تعلمت دروسا لن تعلمني إياها الكتب.
تعلمت أن المريض لا يحتاج في كل لحظة إلى من يسأله عن ألمه، بل إلى من يذكره بأن الحياة ما زالت جميلة.
وتعلمت أن الكلمة الطيبة قد تعادل جرعة دواء، وأن الابتسامة الصادقة قد تهزم ليلة كاملة من الخوف، وأن الدعاء الصادق يفتح أبوابا يعجز العقل عن تصورها.
مرت علي ليال كنت أناجي فيها ربي بصمت، وأخفي دموعي حتى لا أوجع من أحب. كنت أبكي أحيانا، لكنني لم أبك يائسا، وإنما بكيت راجيا، فالدموع التي تخرج بين يدي الله ليست ضعفا، وإنما هي باب من أبواب القوة.
ثم جاءت لحظات العافية…
لحظات شعرت فيها أن الله يربت على قلبي، ويقول له: لقد صبرت، فخذ من رحمتي ما يطمئن روحك.
عندها أدركت أن الشفاء لا يبدأ حين تختفي الخلايا المريضة، بل يبدأ يوم يمتلئ القلب بالسكينة، ويوقن أن كل ما اختاره الله له هو الخير، وإن تأخر فهمه.
إن القوة النفسية ليست بديلا عن العلاج الطبي، لكنها الجناح الذي يحمل المريض حتى يبلغ به الدواء غايته. فاجمع بين حسن التوكل، والالتزام بخطة العلاج، وأحط نفسك بمن يمنحك أملا، لا بمن يزرع فيك خوفا.
هذه ليست قصة انتصار على السرطان، بقدر ما هي قصة انتصار على اليأس.
فقد يهزم المرض جسدا، لكنه لا يستطيع أن يهزم روحا امتلأت بالله.
أسأل الله أن يشفي كل مريض، وأن يبدل ألمه راحة، وخوفه أمنا، ودمعه فرحا، وأن يجعل هذه الكلمات نورا في قلب كل من ضاقت به الدنيا، فيعلم أن بعد كل محنة منحة، وبعد كل ليل فجر، وأن مع العسر يسرا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى