العالم بين الحاضر والمستقبل… ماذا يحدث أمام أعيننا وإلى أين يقودنا؟ (1 من 31)
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

من يتابع ما يجري في العالم اليوم قد يظن أنه أمام أزمات متفرقة: حرب في أوكرانيا، وتوتر بين روسيا وأوروبا، وصراع أمريكي صيني يمتد من التجارة والتكنولوجيا إلى تايوان، والحرب في غزة وتداعيات القضية الفلسطينية، والمواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، واضطراب الخليج واليمن والبحر الأحمر، وصراعات إفريقيا، والسباق على السلاح والطاقة والمعادن والذكاء الاصطناعي.
لكن النظر إلى كل ملف منفردًا قد يحجب الصورة الأكبر.
فما نشهده يبدو أقرب إلى مرحلة انتقال كبرى يعاد خلالها توزيع القوة والثروة والنفوذ في العالم. فالنظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بدا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أقرب إلى قيادة أمريكية شبه منفردة، أصبح أمام واقع أكثر تعقيدًا: صعود الصين اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا، ومواجهة روسيا مع أوكرانيا والغرب، وإعادة أوروبا النظر في أمنها وتسليحها، وصعود الهند، واتساع هامش حركة قوى إقليمية ومتوسطة.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة فقدت موقعها أو أن قوة أخرى حلت محلها؛ فهي ما تزال تمتلك عناصر هائلة من القوة العسكرية والمالية والعلمية والتكنولوجية. لكن السؤال أصبح: هل يستطيع طرف واحد أصلًا أن يقود عالمًا تتوزع فيه عناصر القوة بين أطراف متعددة؟
في أوروبا، أعادت الحرب الروسية الأوكرانية الأمن والتسلح إلى صدارة الأولويات، ودفعت الولايات المتحدة حلفاءها الأوروبيين إلى تحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع، فعاد السؤال: إلى أي مدى تستطيع أوروبا حماية نفسها إذا تغير حجم الالتزام الأمريكي مستقبلًا؟
وفي آسيا، تتنافس الولايات المتحدة والصين على التجارة والتكنولوجيا والرقائق والأسواق والنفوذ العسكري، بينما يظل اقتصادهما متشابكًا بدرجة تجعل الانفصال الكامل شديد الكلفة. وتبقى تايوان إحدى أخطر نقاط الاحتكاك، في صورة تلخص جانبًا من عالم اليوم: تنافس شديد يقابله حرص على ألا يتحول إلى حرب كبرى.
أما الشرق الأوسط، فقد أصبحت صراعاته أكثر تداخلًا، من فلسطين المحتلة إلى إيران والخليج واليمن والبحر الأحمر. وما يحدث في مضيق هرمز أو باب المندب لا يبقى هناك؛ فالاضطراب في ممرات الطاقة والتجارة ينتقل إلى النقل والتأمين والوقود والأسعار في أنحاء العالم.
وفلسطين مثال على أن انخفاض حدة الحرب لا ينهي أصل الصراع؛ فالنزاع ليس على حدود وترتيبات أمنية فحسب، بل على الأرض والسيادة والهوية، وتدخل فيه مرجعيات دينية وعقدية عميقة: تيارات يهودية ودينية قومية تستند إلى تصورات دينية وتاريخية في التمسك بالأرض، يقابلها لدى المسلمين يقين ديني بمكانة أرض المقدسات ووجوب صونها واسترداد المحتل منها. ولذلك تتجاوز القضية حسابات السياسة الآنية، وتصبح التسوية أشد تعقيدًا من مجرد إنهاء جولة عسكرية.
لكن التحول الجاري أوسع من ساحات القتال.
فهناك صراع بلا مدافع على المصانع والأسواق والرقائق والمعادن الحرجة وسلاسل الإمداد والعملات والعقوبات. وقد تستطيع دولة بتقييد وصول منافسها إلى تقنية متقدمة أو معدن حرج أو نظام مالي أن تحدث أثرًا كان يحتاج في زمن سابق إلى قوة عسكرية.
وهناك سباق على المستقبل نفسه.
فالذكاء الاصطناعي والروبوتات والطائرات المسيّرة والفضاء والأقمار الصناعية والحوسبة المتقدمة تغير الإنتاج والعمل والتعليم والاستخبارات والحرب، وقد تغير معها مقاييس قوة الدول.
وفي الوقت نفسه يتحرك عامل أبطأ، لكنه ربما يكون أعمق أثرًا: السكان.
فهناك مجتمعات تشيخ وتتراجع فيها أعداد الداخلين إلى سوق العمل، وأخرى شابة تتزايد أعدادها. وبينهما تتحرك الهجرة والعقول ورؤوس الأموال. ولذلك قد تتحدد خريطة القوة في منتصف هذا القرن أيضًا بمن يملك الشباب، ومن يعلمهم ويوفر لهم العمل، ومن يجذب العقول بدل أن يطردها.
وتعود الموارد إلى قلب المنافسة: الماء والغذاء والنفط والغاز والنحاس والليثيوم والكوبالت والذهب والعناصر الأرضية النادرة؛ فحتى الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي يحتاجان إلى الكهرباء والمعادن ومراكز البيانات والبنية المادية.
ولهذا تزداد أهمية إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا والخليج وكندا وأستراليا وغيرها. فالعالم المقبل لن يسأل فقط: من يملك أكبر جيش؟ بل أيضًا: من يملك الغذاء والماء والطاقة والمعادن والعلم والتكنولوجيا والموقع والإنسان القادر على تحويلها إلى إنتاج؟
وهنا ينبغي الحذر من خطأ مقابل: امتلاك الموارد لا يعني امتلاك القوة.
فكم من دولة تملك النفط أو الذهب أو الأرض والمياه ويظل اقتصادها ضعيفًا، وكم من دولة محدودة الموارد الطبيعية بنت بالعلم والمؤسسات والقانون والتكنولوجيا اقتصادًا يفوق اقتصادات دول أغنى منها بالموارد.
ومن هنا يأتي أحد الأسئلة المركزية في هذه السلسلة: ما الذي يجعل دولة تصعد وأخرى تتراجع؟
هل هو السكان، أم الموارد، أم الجيش، أم الموقع، أم العلم والتكنولوجيا، أم النظام الاقتصادي، أم المؤسسات وسيادة القانون؟ أم أن القوة الحقيقية تنشأ من اجتماع هذه العناصر والقدرة على توظيفها؟
وسننظر لذلك إلى أمريكا والصين وروسيا وأوروبا والهند وآسيا، وكندا وأستراليا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، ثم الشرق الأوسط والخليج وفلسطين وإيران وإسرائيل، والعرب والعالم الإسلامي والمسلمين في بقية العالم.
وسنبحث السكان والهجرة، والماء والغذاء والطاقة والمعادن، والبحار والممرات، والذكاء الاصطناعي، والدولار والذهب والديون والتجارة، والمؤسسات والإنسان، ثم ننظر في صور محتملة للعالم في 2030 و2040 و2050.
ونقول «محتملة» عن قصد.
فالمستقبل لا يُقرأ كما يُقرأ التاريخ، ولا أحد يستطيع الجزم بما ستكون عليه أمريكا أو الصين أو روسيا أو أوروبا بعد ربع قرن. وقد تغير حرب أو اختراع أو وباء أو أزمة اقتصادية مسارات بدت مستقرة. ولذلك لن تقوم هذه السلسلة على التنبؤ الجازم، بل على قراءة الواقع، والتمييز بين الحدث العابر والتحول البنيوي، ثم استشراف الاتجاهات والسيناريوهات الممكنة.
وفي نهاية الرحلة سنعود إلى السؤال الأقرب إلينا:
أين السودان من كل ذلك؟
فالسودان إفريقي وعربي وذو أغلبية مسلمة، ويطل على البحر الأحمر، ويملك أرضًا ومياه وذهبًا ومعادن ومصادر طاقة وإمكانات زراعية وموقعًا يصل بين دوائر جغرافية متعددة.
لكن السؤال ليس: ماذا نملك؟
بل: هل نستطيع تحويل ما نملك إلى إنتاج وثروة وقوة ورفاه، أم يبقى موردًا يتنافس عليه الآخرون بينما نعجز نحن عن استثماره؟
وقبل الإجابة، علينا أن نفهم العالم الذي نريد أن نجد لنا مكانًا فيه.
وفي المقال القادم نعود خطوة إلى الوراء لنسأل:
كيف وصل العالم أصلًا إلى هذه اللحظة؟





