مقالات

السودان… من مطاردة الأعراض إلى إصلاح الجذور (6 من 10): كيف نعيش مرحلة العسر من غير أن نقتل ما بقي؟

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

 

قلنا إن الإصلاح يجب أن يبدأ اليوم، لكن ثماره تحتاج إلى وقت. وبين البدء وظهور النتائج مرحلة عسر قد تكون قاسية: إنتاج ضعيف، ودخول متآكلة، وأسعار مرتفعة، ونقد أجنبي شحيح، ودولة محدودة الموارد.
فكيف نعبرها من غير أن نستهلك ما بقي من قدرة الاقتصاد على التعافي؟
عندما تشتد الأزمة، يسهل اللجوء إلى المنع والتقييد والتسعير وزيادة الرسوم بحثًا عن حلول عاجلة. لكن هذه الإجراءات، إذا رفعت تكلفة الإنتاج والتجارة أو عطلت حركة الأموال والسلع وأضعفت الثقة، قد تستهلك ما نحتاج إليه للخروج من الأزمة.
فالاقتصاد في مرحلة العسر كأرض أصابها الجفاف: لا يكفي أن نقتسم ما بقي من المحصول؛ بل يجب ألا نأكل البذور التي سنزرع بها الموسم القادم. وهذه البذور هي ما بقي من إنتاج ورأس مال وتجارة وصادرات ومدخرات وثقة.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز استخدام الموارد القليلة كما لو كنا في زمن الوفرة. فالمطلوب إزالة الهدر واستخراج أقصى منفعة من كل مورد بأقل تكلفة وفاقد ممكنين.
ولنأخذ القمح مثالًا.
فعند إنتاج الدقيق الأبيض تُستبعد أجزاء من الحبة، بينما يتيح دقيق الحبة الكاملة، بعد تنظيف القمح، الاستفادة من كامل الحبة تقريبًا، باستخلاص يقارب 100%، فنحصل من كمية القمح نفسها على دقيق أكثر ونقلل الفاقد.
وقد يكون خبز الحبة الكاملة أكثر سمرة وأخشن قوامًا، لكنه يحتفظ بمكونات من الحبة تفقد بدرجات مختلفة عند التكرير، ولذلك تعد الحبوب الكاملة عمومًا خيارًا غذائيًا أفضل. ومن ثم فليس هذا مجرد «خبز أزمة»، بل خيار مفيد حتى في الوفرة، فضلًا عن تزايد تقبل المستهلكين لمنتجات الحبوب الكاملة.
ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك بخلط دقيق القمح الكامل بنسب مدروسة من دقيق الذرة. وقد جرت في السودان من قبل تجارب ناجحة وموثقة في هذا المجال، كنت أحد أطراف الإشراف على بعضها؛ إذ شاركت شركة الأمن الغذائي المحدودة في تجربة إنتاج خبز مخلوط من القمح والذرة، باستخدام مادة غذائية طبيعية محسِّنة اكتشفها البروفيسور الأردني عوض رشيد منصور بعد بحوث امتدت سنوات. وعُرضت نتائج التجربة على جهات رسمية وعلمية سودانية، وخضعت المادة المستخدمة لاختبارات في معامل عالمية بثلاث دول خارجية، خلصت ـ وفق إفادة الشركة الموثقة في ديسمبر 2017 ـ إلى سلامتها واعتمادها، كما أشرفت الشركة على تجربة إنتاج الخبز بمخابز الخرطوم بحري بعد إجازتها من الجهات المختصة. ومع ذلك لم تحظَ هذه التجربة وما شابهها بما يكفي من التبني والتطوير لتحويلها إلى خيار إنتاجي واسع.
ويمكن كذلك إدخال البطاطا الحلوة بنسب مدروسة في صناعة الخبز، وهو أمر أثبتت نجاحه تجارب ودراسات عالمية عديدة، سواء باستخدام دقيقها أو هريسها بديلًا جزئيًا لدقيق القمح. وتزداد قيمتها الغذائية، ولا سيما في الأصناف البرتقالية الغنية بالبيتا كاروتين، إلى جانب الألياف وعدد من العناصر الغذائية. وتزداد أهميتها للسودان لملاءمة مناخه الدافئ لزراعتها في مناطق واسعة، وسهولة زراعتها نسبيًا وقلة احتياجاتها وتكاليف إنتاجها مقارنة بمحاصيل أكثر تطلبًا. وبذلك يمكن أن تحقق مكسبًا غذائيًا واقتصاديًا معًا: محصول محلي سهل الإنتاج، وتنويع لمصادر الغذاء، وتقليل لكمية القمح المطلوبة وما يرتبط باستيراده من نقد أجنبي، على أن تحدد نسبة الخلط الأنسب وفق الصنف وطريقة التصنيع وجودة الرغيف وقبول المستهلك.
وهذه الأمثلة ليست دعوة إلى وصفة واحدة للخبز بقدر ما هي تطبيق لمبدأ أوسع: أين نهدر موردًا بلا ضرورة؟ وأين نستطيع تقليل الفاقد أو استخدام طريقة إنتاج أكفأ؟ وأين يمكن لمنتج محلي منافس أن يقلل حاجتنا إلى النقد الأجنبي؟
لكن زيادة الإنتاج المحلي لا تعني حظر المستورد لمجرد وجود بديل محلي.
فالحظر قد يحمي المنتج المحلي من المنافسة التي تدفعه إلى تحسين الجودة وخفض التكلفة، ويرفع السعر ويقلل خيارات المستهلك، ويفتح باب التهريب. فنريد صناعة محلية قوية، فإذا بنا نصنع صناعة تعتمد على الحماية.
والأصل أن ينافس المنتج المحلي المستورد بالجودة والسعر والكفاءة. أما المنع لأسباب تتعلق بالمواصفات أو الصحة أو السلامة أو البيئة، فهو أمر مختلف، وينبغي أن يخضع له المحلي والمستورد معًا.
وبذلك ينخفض الاستيراد بصورة طبيعية عندما يصبح المنتج المحلي أكثر قدرة على المنافسة، لا بقرار يحجب منافسه.
والقاعدة نفسها تنطبق على النقد الأجنبي. فليس كل دولار يخرج خسارة؛ فالدولار الذي يشتري آلة أو مدخل إنتاج أو قطعة غيار قد يعود إنتاجًا وصادرات وفرص عمل وإيرادات. لذلك لا يكون السؤال: كيف نمنع خروج الدولار؟ بل: ماذا سيولد استخدامه؟
وهذا لا يعني أن كل استيراد نافع، أو أن الدولة لا ترتب أولويات استخدام مواردها واحتياطياتها المحدودة؛ لكنه يفرق بين إدارة الدولة لمواردها وبين منع الناس من استخدام مواردهم المشروعة.
وإذا احتاجت الدولة إلى الإيرادات، فقد يبدو رفع الرسوم والجبايات على النشاط القائم أسرع الحلول. لكن إذا تجاوز العبء قدرة النشاط على الاحتمال، انكمش أو توقف أو خرج إلى الظل، فتحصل الدولة على إيراد عاجل وتضعف الوعاء الذي يولد إيراداتها غدًا.
والأجدى توسيع قاعدة النشاط والالتزام والتحصيل، لا زيادة العبء على القلة التي ما زالت تعمل.
وفي مرحلة العسر يجب كذلك أن يكون الإنفاق العام أشد انضباطًا؛ فتقدم الضروريات ووظائف الدولة الأساسية، ويخفض الهدر والإنفاق غير المنتج، ويُتجنب تمويل العجز بالتوسع النقدي غير المنضبط، لأن زيادة النقود من غير زيادة مقابلة في السلع والخدمات تعود على الناس تضخمًا وتآكلًا في الدخول والمدخرات.
ومن أرخص أدوات الإصلاح أيضًا خفض تكلفة ممارسة الأعمال. فإلغاء إجراء لا ضرورة له لا يحتاج إلى احتياطي من العملات الأجنبية، وكذلك توحيد المعاملات، وتقليل زمن التخليص، ومنع الجبايات غير القانونية، وتثبيت القواعد، وتسهيل تأسيس الأعمال وحماية العقود؛ كلها تزيل كلفة من أمام النشاط من غير إنفاق كبير من الدولة.
لكن المواطن الأشد تضررًا لا يصح أن يكون ثمنًا للإصلاح.
وحمايته لا تقتضي بالضرورة تثبيت الأسعار أو دعم السلع والعملات للجميع؛ فالدعم العام قد يستنزف موارد الدولة ويذهب إلى المحتاج وغير المحتاج، ويخلق فروق أسعار وأسواقًا موازية وفرصًا للفساد والتهريب.
والأجدى، بقدر ما تسمح به الموارد، توجيه الدعم النقدي أو العيني والخدمات الأساسية وشبكات الأمان مباشرة إلى الأشد حاجة.
ومع ذلك، لن تستطيع دولة أنهكتها الحرب تعويض كل مواطن عن كل خسارة. ولذلك تبقى الحماية المستدامة هي إبقاء الاقتصاد نفسه قادرًا على العمل وخلق الدخل وفرص العمل.
فالوظيفة التي تستمر، والمزرعة التي تنتج، والمصنع الذي يعمل، والتاجر الذي يعيد جلب بضاعته، والمصدر الذي يواصل نشاطه؛ ليست مصالح خاصة منفصلة عن المجتمع، بل أجزاء من المنظومة التي يعيش منها الناس وتستمد منها الدولة مواردها.
ومن هنا يمكن اختصار إدارة مرحلة العسر في قاعدة واحدة:
احمِ الإنسان من السقوط، لكن لا تقتل النشاط الذي سيخرجه من العسر.
نحمي الأشد حاجة، ونضبط الإنفاق، ونقلل الهدر، ونستخرج من الموارد أقصى منفعة، وفي الوقت نفسه نخفض كلفة الإنتاج والتجارة، ونزيل القيود غير الضرورية، ونبقي أبواب العمل والاستثمار والمنافسة مفتوحة.
فلا معنى لتوفير نقد أجنبي إذا كان الثمن توقف نشاط يستطيع أن يولد نقدًا أجنبيًا جديدًا، ولا لزيادة إيرادات اليوم إذا كانت الوسيلة تقلص مصدر إيرادات الغد، ولا لحماية منتج محلي إذا كانت الحماية ترفع سعره وتضعف قدرته على المنافسة.
مرحلة العسر ليست زمن تجميد الاقتصاد، بل زمن تشغيل كل ما يمكن تشغيله بأقل عائق وأعلى كفاءة.
وبذلك قد لا تنتهي الأزمة سريعًا، لكننا نخفف وطأتها ونحافظ في الوقت نفسه على المحركات التي ستخرجنا منها.
ويبقى السؤال: إذا كان الدولار مرتفعًا وشحيحًا، فهل نحاول خفض سعره بأي وسيلة، ولو عطلنا التجارة والإنتاج وحاجات الناس؟ أم نقبل مؤقتًا بسعر يعكس العرض والطلب، بينما نعالج الأسباب التي أضعفت الجنيه؟
وهذا هو موضوع المقال القادم، إن شاء الله:
دولار مرتفع أم حياة متوقفة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى