هكذا صُنعت العاصمة الإدارية في بورتسودان… أحمد آدم بخيت يروي كواليس أصعب أيام الحرب
حوار | هيثم الطيب

في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ السودان الحديث، وجدت مؤسسات الدولة نفسها أمام تحدٍ غير مسبوق مع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. كانت المعركة لا تدور فقط في الميدان العسكري، بل امتدت إلى معركة أخرى لا تقل أهمية، وهي الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع انهيارها، وتأمين الخدمات للمواطنين، واستيعاب ملايين النازحين.
في هذا الحوار، يفتح الفريق أحمد آدم بخيت، وزير التنمية الاجتماعية الأسبق ونائب رئيس حركة العدل والمساواة وأمين إقليم العاصمة القومية، خزائن تلك الأيام، ويروي لأول مرة تفاصيل الساعات الأولى للحرب، وكيف وُلدت فكرة العاصمة الإدارية في بورتسودان، والدور الذي لعبته وزارة المالية في إدارة الأزمة، كما يتحدث عن مشاركة حركة العدل والمساواة في الحرب، ورؤيته لمرحلة إعادة البناء بعد انتهاء المعارك.
• نبدأ من يوم 15 أبريل 2023.. أين كنتم؟ وكيف تعاملتم مع الساعات الأولى للحرب؟
يقول أحمد آدم بخيت إن اندلاع الحرب شكّل لحظة فارقة للجميع، موضحًا أنه كان بمنزله في حي المطار بالخرطوم قبل أن يضطر إلى مغادرته مع أسرته وسط ظروف أمنية بالغة الصعوبة، حتى تمكنوا من الوصول إلى منطقة آمنة.
ويضيف أن أول ما فكر فيه لم يكن وضعه الشخصي، وإنما كيفية الحفاظ على استمرار عمل الدولة، لذلك أجرى اتصالات عاجلة بعدد من الوزراء، بينهم وزير الصحة ووزير الخارجية ووزير الثقافة والأمين العام لمجلس الوزراء، للتأكيد على ضرورة استمرار مؤسسات الدولة وعدم السماح بانهيارها.
ويكشف أن تلك الاتصالات قادت إلى تشكيل أول لجنة للطوارئ الإنسانية برئاسته، إلى جانب لجنة أخرى برئاسة وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم لتأمين انسياب السلع إلى الولايات التي بدأت تستقبل أعدادًا كبيرة من النازحين.
كما يروي تفاصيل انتقاله إلى بورتسودان مطلع مايو، حيث اتُخذت إجراءات أمنية عاجلة لضبط حركة دخول الأجانب، في ظل مخاوف من استغلال حالة الحرب لاختراق البلاد، مؤكدًا أن تلك الخطوات بعثت برسالة واضحة للعالم مفادها أن مؤسسات الدولة لا تزال تعمل بكامل مسؤولياتها.
• كيف بدأت فكرة إنشاء العاصمة الإدارية في بورتسودان؟
يؤكد بخيت أن فكرة العاصمة الإدارية لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت مشروعًا لإنقاذ الدولة من الانهيار.
ويشير إلى أن البداية كانت بتجهيز مقر مؤقت للعمل الحكومي، قبل انتقال الوزراء تدريجيًا، ثم الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وصولًا إلى مجلس السيادة، لتبدأ مؤسسات الدولة ممارسة أعمالها بصورة طبيعية رغم ظروف الحرب.
ويضيف أن العمل في تلك المرحلة تم بإمكانات محدودة للغاية، إذ كانت بعض الوزارات تعمل بعدد لا يتجاوز خمسة أو عشرة موظفين، إلا أن روح العمل الجماعي والتنسيق بين المؤسسات مكّنت الدولة من الاستمرار في أداء واجباتها.
كما أشاد بالدور الذي لعبته حكومة ولاية البحر الأحمر في توفير التسهيلات اللازمة لإنجاح تجربة العاصمة الإدارية.
• كيف تمكنت الحكومة من إدارة الدولة رغم تراجع الموارد واتساع رقعة الحرب؟
يوضح بخيت أن وزارة المالية واجهت تحديًا كبيرًا بعد انخفاض الإيرادات، لكنها استطاعت، عبر إدارة دقيقة للموارد، الإبقاء على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، والاستمرار في صرف المرتبات، وتأمين احتياجات الولايات التي استقبلت النازحين.
ويشير إلى أن الحكومة تحركت أيضًا على المستوى الخارجي، حيث أجرت اتصالات مكثفة مع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية لتوفير الدعم الإنساني، وتم توزيع المساعدات وفقًا لأعداد النازحين واحتياجات كل ولاية.
ويصف تلك المرحلة بأنها كانت “إدارة دولة في زمن الحرب”، مؤكداً أن الحفاظ على مؤسسات الدولة كان انتصارًا لا يقل أهمية عن أي انتصار عسكري.
• كيف اتخذت الحركة قرار المشاركة في الحرب؟
يؤكد نائب رئيس حركة العدل والمساواة أن الحركة بذلت جهودًا كبيرة قبل اندلاع الحرب للحيلولة دون وقوعها، لكنها وجدت نفسها بعد اندلاعها أمام مسؤولية الدفاع عن الدولة.
ويشير إلى أن قوات الحركة كانت موجودة وفقًا لاتفاق جوبا للسلام، وأن المشاركة العسكرية جاءت بعد استكمال الترتيبات الرسمية وإعادة تجميع القوات، قبل إعلان الانضمام إلى القوات المسلحة والقوات المشتركة.
ويشدد على أن الحركة تعتبر نفسها شريكًا في الدفاع عن السودان، كما ستكون شريكًا في إعادة إعماره بعد انتهاء الحرب.
•كيف بدأت رحلة عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم؟
يوضح بخيت أن مرحلة العودة جاءت بعد تحسن الأوضاع الأمنية، حيث وضعت وزارة المالية ولجنة تهيئة العاصمة القومية خطة متكاملة لإعادة الوزارات والمؤسسات الحكومية تدريجيًا إلى الخرطوم.
ويقول إن الجهود لم تقتصر على إعادة المباني الحكومية، وإنما شملت إعادة خدمات الكهرباء والمياه، وتأهيل المؤسسات والمرافق المتضررة، تمهيدًا لعودة المواطنين إلى مناطقهم.
ويرى أن نجاح العاصمة الإدارية في بورتسودان، ثم إعادة المؤسسات إلى الخرطوم، يمثلان نجاحين متكاملين في إدارة الدولة خلال الحرب.
• ماذا تقدم حركة العدل والمساواة للمجتمع في المرحلة الحالية؟
يؤكد بخيت أن الحركة لا يقتصر دورها على الجانب العسكري، بل تعمل أيضًا في المجالات الإنسانية والاجتماعية، من خلال برامج لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، والمساهمة في تأهيل المدارس والمراكز الصحية، وتنفيذ برامج لدعم الشباب والمرأة وتمكينهم اقتصاديًا.
كما يشير إلى أن الحركة تعمل ضمن مؤسسات الدولة في ملفات مكافحة الفقر، ودعم الخدمات الأساسية، والمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتأثرة بالحرب.
• هل ما زلتم تؤمنون بأن السودان قادر على تجاوز هذه المرحلة؟
يختتم أحمد آدم بخيت حديثه بالتأكيد أن الأمل في السودان لا يزال كبيرًا، وأن السودانيين قادرون على تجاوز آثار الحرب مهما كانت التحديات، مشددًا على أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة بناء وإعمار، لا تقل أهمية عن مرحلة الدفاع عن الوطن.
ويقول إن كل القوى الوطنية مطالبة اليوم بتوحيد جهودها لإعادة بناء المؤسسات ، وإعادة الخدمات، وتهيئة الظروف لعودة المواطنين إلى ديارهم، مؤكداً أن السودان سيظل قادرًا على النهوض بإرادة أبنائه ووحدتهم.





