مقالات

النخبة والحرب فى السودان

د. مجذوب محمد صالح يكتب |

انه وباعتبار ان لنخبة (الملا من القوم) تمثل الفئة التي تمتلك القدرة على توجيه الرأي العام للمجتمع وعلى صناعة القرار السياسي وعلى التأثير في الحياة العامة عموما. فإن من أهم المخرجات غير العسكرية للحرب فى السودان ، وهو ما كشفته من تحولات عميقة في بنية بعض النخب السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية،

وبامكاننا ان نقول أن الحروب لا تصنع أخلاق النخب ولكنها تكشف بنيتها القيمية الأخلاقية الكامنة فيها، فالحرب الأخيرة فى السودان عكست عن اختلالات بنيوية في منظومة التنشئة الاجتماعية للمجتمع السوداني وكذا كشفت عن فقر البناء النفسي، وتهافت في الثقافة السياسية فى السودان؛ كما كشفت عن حالة ضعف المرجعيات الأخلاقية النهائية، الأمر الذي يجعل من تحديات إعادة بناء الدولة مرهون بإعادة بناء النخبة بالتلازم.

والملاحظ أن الكثير من المواقف والتصرفات التي برزت أثناء الحرب لا يمكن تفسيرها علميا من خلال فرضية الاستقطاب والانتماء السياسي وحده، ومن هنا فإن دراسة سلوك النخب أثناء الأزمات والحروب تعد من أهم المؤشرات على طبيعة البنية الاخلاقية للمجتمع، كما هي مؤشر يجلي نوع ومستقبل الدولة. اذ في الظروف الطبيعية قد تستطيع النخب الفاسدة إخفاء تناقضاتها خلف الشعارات السياسية أو الخطابات الأيديولوجية، إلا أن الحروب تمثل لحظة اختبار الحقيقة القصوى، اذ تظهر فيها حقيقة المرجعيات النهائية التى تحكم السلوك الفردي والجماعي للنخبة.

بعبارة اخرى ، فإنه يمكن النظر إلى الحرب باعتبارها كاشفا اجتماعيا وأخلاقيا للقيم السائدة، تماما كما هي تكشف عن صراع عسكري محتدم ذلك ان الحروب تكشف عن تراتيبة نظام القيم داخل الإنسان الفرد؛ وماذا يقدم عند التعارض والترجيح؟ اتراه يقدم الحقيقة أم يقدم المصلحة؟ أم تراه يقدم قيمة العدالة أم الانتماء الضيق؟ أم تراه يقدم الوطن أم الجماعة الجهوبة؟ أم أنه يقدم الضمير الاخلاقي أم المكسب الشخصي؟

ففي هذه الأوقات الحرجة تظهر الفروق بين سلوك النخب التي تحكمها الأخلاق والمبادئ، وبين النخب التي تحكمها المصالح والمنافع الشخصية، وفي كل الاحوال فإن الكثير ًمن التحولات الحرجة التي شهدتها الحرب ليست تحولات قيمية حقيقية راسخة، وإنما انكشاف لما كان مستترا داخل البنية النفسية والأخلاقية فى المجتع الذي تدور رحي الحرب بين اطرافه، فعندما يصبح الولاء للجماعة مقدّما على الحقيقة والعدالة، فان الفرد ياخذ في تبرير جميع ما يصدر عنه مهما كان ذلك مخالفا لمنطق منظومة القيم المطلقة.

اما اخطر التحولات التي كشفتها الحرب فهي انتقال بعض النخب من منطق الدولة إلى منطق العصبية؛ فبدلًا من الاحتكام إلى القانون، والمؤسسات، والعدالة، يصبح معيار التقييم هو من يملك القوة (التاتشرات) ، ومن ينتصر ميدانيا، ومن يحقق لها المصلحة الخاصة، وهنا يتراجع الوعي السياسي إلى أنماط بدائية تجعل القوة مصدرا للشرعية بدل أن تكون الشرعية هي مصدر القوة.

اما اهم الشواهد على الانحطاط الأخلاقي للنخبة في اوقات الحرب فتظهر في قابلية بعض النخب للتطبيع مع أشكال العنف المختلفة، فبدلا من إدانة اشكال القتل، والنهب، والاغتصاب، والتهجير، يصبح الخطاب السياسي والإعلامي خطاب يسعى إلى تبريرها، أو التقليل من خطورتها، أو إسقاط المسؤولية الأخلاقية عنها، أو تصويرها باعتبارها ثمنا طبيعيا للصراع المسلح بين الأطراف المتقاتلة. والواقع ان هذا المال يمثل انهيارا تاما في الضمير الأخلاقي الجمعي لتلك النخبة أكثر من كونه مجرد خلاف سياسي.

وهنا تظهر اهمية الاشارة الى طبيعة المرجعيات التي تحكم سلوك النخب عند انهيار مؤسسات الدولة او ضعف سلطة القانون ، حيث تبرز قدرة الإنسان الفاسد الفطرة على تعطيل ضميره مؤقتا عبر إعادة تفسير الجرائم باعتبارها ضرورات سياسية ملحة أو اضرار عسكرية وأثار جانبية للحرب كما يميل بعض الأفراد إلى تبني مواقف أصحاب القوة طلبا للأمان أو للمصلحة، وهنا يقع التنافر والتناقض الأخلاقي، حين تتعارض منظومات القيم مع المصالح الفردية، فيلجأ الإنسان إلى تعديل قناعاته حتى يخفف الشعور بالتناقض.

بيد انه يمكن تفسير كل ذلك بغياب المرجعية الأخلاقية النهائية التي تضبط السلوك الفردي للأفراد. فحين تغيب المرجعية الأخلاقية تصبح السياسة عبارة عن صراع على النفوذ والسلطة، وتتحول القيم الاخلاقية إلى أدوات للمساومة والابتزاز ااسياسي ويصبح الولاء للأشخاص أو الجماعات أقوى من الولاء للحق والعدل المطلقين؛ مما يعني إن أزمة النخب في جوهرها هي أزمة أخلاقية قبل أن تكون أزمة سياسية.

والحق ان الحرب في السودان كشفت عن أزمة أعمق من ازمة الصراع والنزاع السياسي ، أعني أزمة إنتاج النخبة الفاسدة نفسها وهيمنتها على المشهد السياسي، بملحظ ان الكثير من من يسمي بالنخب فإن لم يبنَ على أساس الكفاءة العلمية، ولا الاستقلال الفكري، ولا على النزاهة الأخلاقية، ولكنه يني على أساس شراء الولاءات، واحوال توزيع المحاصصات، ودهاليز بناء شبكات المصالح، فضلا عن الارتباط بمراكز النفوذ والسلطة فى الداخل والخارج، ولهذا أصبحت أكثر النخبة الفاسدة قابلية لتغيير مواقفها بتغير موازين القوة فى الحرب.

وغاية القول ان الحرب في السودان كشفت أن انهيار الدول بانهيار المنظومات القيمية التي تضبط سلوك النخب والمجتمع، أكثر من كونها تبدأ بانهيار الجيوش، وانه إذا كانت إعادة إعمار البنية التحتية ضرورة، فإن إعادة إعمار الإنسان والنخبة تمثل شرطا سابقا لاستدامة أي مشروع سياسي ووطني

ويبقي تجاوز آثار الحرب أمر يتطلب مشروعا حضاريا لإعادة بناء النخبة ؛ كونه المشروع الذي يقوم على إصلاح منظومة التعليم والتنشئة، وترسيخ ثقافة المسؤولية الأخلاقية، وبناء الاستقلال الفكري للنخب، وتعزيز سيادة القانون بوصفه المرجعية العليا، وإعادة الاعتبار للكفاءة في شغل المواقع العامة، فضلا عن تطوير خطاب ديني وثقافي يربط بين الإيمان والسلوك العام.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى