حادثة فردية لا ينبغي أن تهدم جسرًا من الأخوة
بقلم: م. الصادق عباس نجّار باحث في قضايا التعافي والإعمار

أثارت الإساءة التي صدرت من إحدى المواطنات المصريات بحق عدد من النساء السودانيات بمدينة الرحاب استياءً مشروعًا لدى السودانيين، لأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأي خطاب يقوم على السخرية أو التمييز أو الانتقاص من الآخرين مرفوض أخلاقيًا وقانونيًا.
لكن في مثل هذه المواقف، يصبح السؤال الأهم: كيف نتعامل مع الحادثة؟
هل نحوّل خطأً فرديًا إلى أزمة بين شعبين؟ أم نضعه في إطاره الصحيح، ونحتكم إلى القانون، ونحافظ في الوقت نفسه على العلاقة التاريخية والاستراتيجية التي تربط السودان ومصر؟
من وجهة نظري، فإن ما يبعث على الاطمئنان ليس وقوع الخطأ، فالأخطاء الفردية موجودة في كل المجتمعات، وإنما سرعة ظهور أصوات مصرية قانونية وإعلامية ومجتمعية رفضت هذا السلوك، وأكدت أن ما حدث لا يمثل الدولة المصرية ولا الشعب المصري، وطالبت بتطبيق القانون على كل من يحرّض على الكراهية أو التمييز أو يسيء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وهذه هي الرسالة التي ينبغي البناء عليها وتعزيزها.
ولقد سبق أن كتبت، بعد عودتي من القاهرة إلى الخرطوم، أنني أقمت في مصر قرابة عامين ونصف مع أسرتي، ولم نتعرض خلالها لأي استهداف أو تضييق، بل وجدنا معاملة كريمة في ظروف استثنائية فرضتها الحرب. وما زلت أرى أن هذه التجربة ليست حالة فردية معزولة، وإنما تعكس ما عاشه مئات الآلاف من السودانيين الذين وجدوا في مصر ملاذًا آمنًا في واحدة من أصعب مراحل تاريخ السودان الحديث.
ولذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نمحو سنوات من المواقف الإنسانية بسبب مقطع فيديو أو تصرف فردي، كما لا يجوز أن تتحول إساءة شخص إلى مادة لإثارة الكراهية بين شعبين تجمعهما روابط الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك.
لقد تحملت مصر أعباءً إنسانية واقتصادية وأمنية كبيرة نتيجة استضافتها لأعداد ضخمة من السودانيين، في وقت تراجع فيه اهتمام كثير من الأطراف الدولية بالأزمة السودانية. وهذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها وتقديرها، تمامًا كما ينبغي التأكيد في الوقت نفسه على أن كرامة السوداني مصونة، وأن أي إساءة إليه أو تمييز ضده يجب أن تواجه بالقانون، لا بالتبرير أو التجاهل.
ومن المهم كذلك ألا يُنظر إلى هذه الحادثة بمعزل عن آثارها الأوسع. فخطابات الكراهية والتمييز لا تضر الضحايا المباشرين فحسب، بل تمس التماسك المجتمعي داخل الدولة نفسها، وتفتح أبوابًا للاستقطاب يستفيد منها المتربصون بالعلاقات بين البلدين. ولذلك فإن التصدي لها يمثل مصلحة سودانية ومصرية مشتركة، قبل أن يكون استجابة لواقعة بعينها.
إن الدفاع عن السودانيات اللاتي تعرضن للإساءة حق مشروع، لكنه ينبغي أن يكون دفاعًا يستند إلى القانون، ويعزز قيم العدالة والاحترام المتبادل، لا أن ينزلق إلى إساءات مقابلة أو تعميمات تسيء إلى شعب بأكمله. فخطاب الكراهية لا يعالج بخطاب كراهية آخر، وإنما بتطبيق القانون وترسيخ ثقافة الاحترام.
وتذكرنا هذه الحادثة أيضًا بحقيقة لا تقل أهمية، وهي أن الحل الجذري لمعاناة ملايين السودانيين لا يكمن في السجالات داخل دول الاستضافة، وإنما في تسريع مسار التعافي وإعادة الإعمار داخل السودان، حتى تصبح العودة خيارًا آمنًا وكريمًا ومتاحًا لكل من اضطرته الحرب إلى مغادرة وطنه.
إن أفضل رد على كل محاولات الإساءة هو أن ينجح السودان في استعادة أمنه واستقرار مؤسساته ومدنه، وأن يوفر لمواطنيه بيئة آمنة للحياة والعمل والإنتاج، فيعود السوداني إلى وطنه مرفوع الرأس، محتفظًا في الوقت ذاته بوفائه لكل من وقف إلى جانبه في أوقات المحنة.
إن العلاقات السودانية المصرية أكبر من أن تهزها إساءة فردية، وأعمق من أن تختزلها منصات التواصل الاجتماعي. فهي علاقة تتأسس على الجغرافيا، ويعززها التاريخ، وتحكمها مصالح استراتيجية متبادلة تفرض على الجميع، أفرادًا ومؤسسات، مسؤولية حماية هذه العلاقة من الانفعال، وصونها بخطاب مسؤول يرفض التمييز، ويحفظ كرامة الإنسان، ويعزز الثقة بين الشعبين.
فلتكن هذه الواقعة مناسبة لتأكيد سيادة القانون، لا لإثارة الضغائن، ولتعزيز الأخوة بين الشعبين، لا لإضعافها، وللتذكير بأن الاحترام المتبادل يظل الأساس الأكثر صلابة لأي علاقة بين الأمم.





