
من الغريب أن يُطالب الرجل بأن يكون قويًا في كل وقت، ثم يُلام إذا أنهكه التعب. يُطلب منه أن يتحمل، وأن يصبر، وأن يوفر، وأن يحمي، وأن يقود، ثم إذا انكسر قيل له: “كن رجلًا.”
المجتمع منح الرجل قائمة طويلة من الواجبات، لكنه كان بخيلًا جدًا في منحه حق التعب، أو حتى حق الشكوى. فإن صمت، قالوا متكبر. وإن تكلم، قالوا ضعيف. وإن بكى، قالوا ليست هذه صفات الرجال.
أصبح الدفاع عن الرجل في هذا الزمن مغامرة، لأن البعض اعتاد أن يرى أي كلمة إنصاف له انتقاصًا من المرأة، مع أن العدالة لا تعرف الانحياز. إنصاف الرجل لا يعني ظلم المرأة، كما أن إنصاف المرأة لا يستدعي شيطنة الرجل.
كم من رجل دفن أحلامه ليبني مستقبل أسرته؟ وكم من أبٍ أخفى دموعه حتى لا يرى أبناؤه الخوف في عينيه؟ وكم من شاب حمل مسؤوليات أكبر من عمره لأنه الرجل الوحيد في المنزل؟ هؤلاء لا تتحدث عنهم الحملات الإعلامية، ولا تتصدر قصصهم عناوين الأخبار، لأن تضحيات الرجال غالبًا تُعتبر واجبًا لا يستحق حتى كلمة “شكرًا”.
وللأسف، أصبح بعض الناس يتعامل مع الرجل وكأنه ماكينة لا تتعب، وصراف آلي لا ينفد، وجدار لا ينهار. ينسون أن خلف تلك الملامح إنسانًا له قلب، وله مخاوف، وله أحلام مؤجلة، وله لحظات ضعف يخفيها حتى لا يسقط من ينظرون إليه باعتباره السند.
الحقيقة التي لا يحب البعض سماعها هي أن المجتمع لا ينهار حين تضعف المرأة، لأنه يهب لمساندتها، لكنه قد ينهار حين يضعف الرجل، لأنه غالبًا يواجه ضعفه وحده.
هذه ليست معركة بين الرجل والمرأة، بل دعوة إلى إعادة ميزان العدالة إلى مكانه الصحيح. فكما نرفض التعميم على النساء، يجب أن نرفض التعميم على الرجال. وكما نصفق للمرأة المكافحة، يجب أن نصفق للرجل الذي يقاتل بصمت كل يوم من أجل من يحب.
قد لا يحتاج الرجل إلى قصائد المديح، لكنه يستحق ألا يُختزل في صورة ظالمة، وألا يُدان لمجرد أنه رجل. فالرجولة ليست امتيازًا، بل تكليف ثقيل، لا يعرف وزنه إلا من حمله.
وأخيرًا… إذا كان المجتمع يريد رجالًا عظماء، فعليه أولًا أن يعاملهم بعدل، لأن الرجال لا يصنعهم الثناء، ولكن قد يهدمهم الظلم.





