الغذاء صحةٌ أو مرض (6 من 20): الزيوت والدهون بين النافع والضار
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

ليست الزيوت والدهون شرًّا مطلقًا كما يتصور بعض الناس، وليست خيرًا مطلقًا كما تتعامل معها بعض الموائد حين تغرق الطعام فيها. فالبدن يحتاج إلى قدرٍ من الدهون كما يحتاج إلى الماء والبروتين والنشويات والمعادن، ولكن الخلل يبدأ حين تخرج الدهون من موضعها الصحيح، فتتحول من عنصرٍ مساعدٍ في الغذاء إلى حملٍ ثقيلٍ على الجسد، ومن إضافةٍ تعطي الطعام طعمًا وقيمة إلى عادةٍ يوميةٍ تملأ القدر والمقلاة والصحن بما يزيد على الحاجة.
والتمييز هنا مهم؛ لأن بعض الناس إذا سمع التحذير من الدهون ظن أن كل دهنٍ مضر، وأن الصحة لا تكون إلا بطعامٍ جافٍ لا زيت فيه ولا طعم. وهذا فهمٌ غير صحيح. فالدهون تدخل في بناء بعض أجزاء الجسم، وتساعد على امتصاص بعض الفيتامينات، وتمنح الطعام طاقة، وتسهم في الشبع، ولكنها تحتاج إلى ميزانٍ دقيق؛ لأن زيادتها سهلة، وأثرها يتراكم، ولا يشعر الإنسان أحيانًا بكمية الزيت التي دخلت إلى وجبته، خصوصًا إذا كان الطعام مقليًا أو مطبوخًا في قدرٍ كبيرٍ من الدهن.
وقد أقسم الله تعالى بالتين والزيتون، فقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: 1]. وليس المقصود هنا أن نحول الآية إلى وصفةٍ غذائيةٍ مباشرة، فالآية لها سياقها ودلالاتها الواسعة، ولكن حضور الزيتون في القرآن يذكّر بأن في خلق الله أطعمةً مباركةً نافعة، وأن الأصل في الطيبات أنها رحمةٌ ورزقٌ إذا وُضعت في موضعها، لا إذا استُعملت بلا حد. فالزيتون وزيته من الأطعمة التي عرفها الإنسان قديمًا، وانتفع بها غذاءً وإدامًا، ولكن حتى النافع لا يبقى نافعًا إذا تحول إلى إفراط.
ومن أوضح ما ينبغي فهمه أن نوع الدهن مهم، وكمّيته أهم أيضًا. فقد يكون الزيت أفضل من غيره، ثم يفسده الإفراط. وقد يكون الطعام في أصله صحيًا، ثم يغرق في الزيت حتى يصبح ثقيلًا. فالخضروات إذا أُعدت باعتدال كانت بابًا للعافية، فإذا صارت تسبح في الزيت فقدت كثيرًا من خفتها. والعدس والفول والبقوليات أطعمة عظيمة، لكن طبخها بكميات كبيرة من الزيت يغيّر أثرها في البدن. والسمك أو الدجاج أو البطاطس قد يكون خيارًا مقبولًا في أصله، فإذا قُلي في زيتٍ غزيرٍ مراتٍ متكررة صار شيئًا آخر.
والقلي من أكثر الأبواب التي يدخل منها الدهن إلى طعام الناس بلا حساب. فالقلي يجعل الطعام لذيذًا ومقرمشًا وسريع القبول، لكنه في كثير من الأحوال يضاعف حمل الزيت في الوجبة، خاصة إذا كان متكررًا، أو كان الزيت يُعاد استعماله مراتٍ كثيرة، أو كان الطعام يمتص الزيت بكثرة. وليس معنى ذلك أن كل قليٍ مرةً عارضةً يساوي المرض، ولكن الخطر أن يتحول القلي إلى عادةٍ يومية، وأن يصبح طعام الطفل والكبير قائمًا على المقليات أكثر من الطعام المسلوق أو المشوي أو المطبوخ باعتدال.
. ومن التأمل الرشيد أن نفهم أن الطعام حتى إن كان مباركا فلا يعني الإسراف، بل يعني حسن الانتفاع. فزيتٌ مباركٌ في أصله قد يصبح عبئًا إذا استُعمل بلا حساب، والقاعدة هنا أن النعمة تحتاج إلى فقه، لا إلى اندفاع.
ومن الأخطاء الشائعة أن يقال: هذا زيت نباتي، إذن هو صحي كيفما استُعمل. فالزيت النباتي ليس كلمةً واحدةً تكفي للحكم. هناك زيوت أفضل في الاستعمال المعتدل، وهناك زيوت رديئة أو مجهولة الجودة، وهناك زيوت تتأثر بطريقة التخزين والحرارة، وهناك زيوت يكثر استعمالها في القلي حتى تتغير رائحتها ولونها وطبيعتها. ولا يكفي أن يكون مصدر الزيت نباتيًا حتى نأمن ضرره، بل لا بد من النظر إلى جودته، وكميته، وطريقة استعماله، وعدد مرات تسخينه، ونوع الطعام الذي يدخل فيه.
وفي واقعنا السوداني، توجد زيوت محلية معروفة مثل زيت السمسم وزيت الفول السوداني، وهي مرتبطة بالمائدة والاقتصاد والزراعة والقرية. وهذه نعمة ينبغي أن تُدار بعقل، لا أن تُهدر بالإغراق في الطبخ. فالسمسم والفول السوداني في أصلهما غذاءٌ نافع، وفيهما قيمة، لكن الزيت المستخرج منهما عالي الطاقة، قليلٌ منه يكفي لإعطاء الطعام طعمه، وكثيره يثقل الجسد. والبيت الحكيم لا يقيس جودة الطعام بلمعان الزيت فوقه، ولا يرى أن الكرم في كثرة الدهن، بل يرى الكرم في الطعام المتوازن الذي يشبع ولا يؤذي.
ومن هدي النبوة في الطعام البساطة والبعد عن التكلف، وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نِعْمَ الإدامُ الخلُّ». وهذا الحديث لا يعني أن الخل وحده هو الطعام الأفضل لكل زمان ومكان، ولا أنه بديلٌ عن كل إدام، ولكنه يعلّم معنى عظيمًا: أن بساطة الطعام ليست عيبًا، وأن الإدام لا يحتاج دائمًا إلى دهنٍ كثيرٍ وطبخٍ معقدٍ ومائدةٍ مثقلة. فإذا اعتاد الناس أن الطعام لا يطيب إلا بكثرة الزيت والسمن، جاء هذا الهدي النبوي ليعيد الذوق إلى البساطة، ويخفف من وهم أن اللذة لا تكون إلا بالدسم.
والدهون الحيوانية تحتاج كذلك إلى وعي. فالسمن والزبدة والشحوم والدهون التي تصاحب بعض اللحوم اطعمة حسنة طيبة، ولكن الإكثار منها، خاصة مع قلة الحركة وكبر السن ووجود السمنة أو السكري أو الضغط أو أمراض القلب، قد يكون بابًا ظاهر الضرر. وفي المجتمعات التي تعدّ الدسم علامة قوة وكرم، يصعب أحيانًا إقناع الناس بأن القوة لا تأتي من ثقل الطعام، وأن الجسد قد يحتاج إلى خفةٍ أكثر من حاجته إلى امتلاء. فليس كل ما يلمع فوق الطعام صحة، وليس كل ما يثقل المعدة غذاءً كاملًا.
ومن الإنصاف العلمي كذلك ألا نردد العبارة الشائعة بأن الدهن الطبيعي عدوٌّ مطلقٌ للقلب؛ فالقلب عضوٌ دائم الحركة، شديد الحاجة إلى الطاقة، وقد بينت فسيولوجيا القلب أن الأحماض الدهنية تمثل في الحالة الطبيعية مصدرًا رئيسيًا من مصادر الطاقة التي تعتمد عليها عضلة القلب، إلى جانب الجلوكوز واللاكتات وغيرها بحسب حال الجسم وجهده ومرضه. وهذا يعني أن الدهن الطبيعي، من حيث الأصل، ليس غريبًا عن حاجة البدن ولا عن عمل القلب، بل يدخل في نظام الطاقة الذي يقوم عليه الجسد.
وقد نبّه بعض الكُتّاب والأطباء المهتمين بالغذاء الطبيعي، ومنهم الدكتور كاس إنغرام، إلى خطأ تحميل الدهون الطبيعية وحدها مسؤولية أمراض القلب تحميلًا مطلقًا، وإلى أن الخلل الأكبر يظهر حين تُخرج الدهون من سياقها الطبيعي، أو تُستبدل بالدهون الصناعية والمهدرجة، أو تُجمع مع السكر والنشويات المكررة، أو تؤكل بإسرافٍ مع قلة الحركة. ويلتقي هذا مع ما تقرره فسيولوجيا القلب من أن الدهون الطبيعية ليست شرًا في ذاتها، وأن موضع الخطر هو سوء النوع، وسوء المقدار، وسوء السياق الغذائي العام.
وعليه، فالدهن الحيواني الطبيعي، كالزبدة والسمن البلدي وشحم الأنعام في موضعه، لا يصح أن يوصف بأنه مذموم في أصله، بل هو من الطيبات التي ينتفع بها الإنسان إذا أُخذت بقدرٍ وحاجةٍ وجودةٍ وضمن طعامٍ متوازن. وإنما الخطر في الإسراف فيه، أو جعله سيد المائدة، أو جمعه يوميًا مع الخبز الأبيض والسكر والمقليات، أو استبداله بالسمن المهدرج والزيوت المهدرجة، أو تناوله بغير مراعاةٍ لحال مريض القلب أو الكلى أو السمنة أو اضطراب الدهون. فالقاعدة ليست: الدهن الطبيعي مرض، ولا: الدهن الطبيعي يؤكل بلا حساب، بل القاعدة: الدهن الطبيعي رزقٌ نافعٌ في قدره، وقد يصبح ضررًا بالإسراف وسوء الاستعمال.
ومما يؤكد أن اللحوم والدهون الحيوانية الطبيعية من الأنعام ليست في أصلها مذمومة ولا محرمة، أن الله تعالى ذكر تحريم بعض الشحوم على بني إسرائيل عقوبةً لهم، فقال سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: 146]. فلو لم تكن هذه الشحوم نافعة لما كان في تحريمها معنى العقوبة والحرمان، وإنما دلّ ذلك على أنها من الطيبات التي كانت مباحةً في أصلها، ثم حُرمت عليهم جزاءً ببغيهم. وهذا المعنى يعلّمنا الاعتدال في النظر: لا نذم الدهون الحيوانية الطبيعية بإطلاق، ولا نفتح باب الإفراط فيها بلا حساب؛ بل نضعها في موضعها الصحيح، بحسب حاجة البدن، وحال الإنسان، وجودة الغذاء، ومقدار الحركة.
وتؤكد هذا المعنى آيةٌ أخرى في قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160]. فالآية تصف بعض ما حُرم عليهم بأنه من الطيبات التي كانت حلالًا لهم، وهذا يقرر أصلًا مهمًا: أن الطيبات لا تُذم لذاتها، وإنما يفسد أثرها بالإسراف، أو الظلم، أو سوء الاستعمال، أو مخالفة الهدي الرباني. فاللحم والدهن والسمن الطبيعي إذا أُخذ بقدرٍ وحاجةٍ وجودةٍ كان من رزق الله، وإذا تحول إلى عادة إفراطٍ وثقلٍ وخمولٍ صار من أسباب الضرر.
والدهون الخفية لا تقل خطرًا عن الدهون الظاهرة. فهناك من يقول: أنا لا أضيف زيتًا كثيرًا، لكنه يأكل البسكويت، والمعجنات، والحلويات، والمقليات الجاهزة، والوجبات السريعة، والصلصات الدسمة، واللحوم المصنعة، فيأخذ من الدهون ما لا يراه. وبعض هذه الأطعمة تجمع بين السكر والدهن والملح، فتكون شديدة الإغراء للسان، ضعيفة الفائدة للجسد، عالية الأثر في الوزن والاشتهاء.
ومن أخطر ما ينبغي التنبيه إليه في هذا الباب ما يُعرف بالزيوت المهدرجة والسمن المهدرج. فهذه ليست مجرد دهونٍ عاديةٍ يمكن النظر إليها كما ننظر إلى الزيت الطبيعي في استعماله المعتدل، بل هي دهونٌ عولجت صناعيًا لتصبح أكثر صلابةً وثباتًا وأطول بقاءً وأرخص استعمالًا في بعض الصناعات الغذائية. ولهذا تدخل في كثير من المخبوزات الجاهزة، والبسكويت، وبعض أنواع الكيك، والحلويات التجارية، والمعجنات، والمقليات الجاهزة، وبعض الأطعمة السريعة. وخطرها أن المستهلك قد لا يراها، ولا يضيفها بيده، لكنه يأكل أثرها في منتجاتٍ تبدو عاديةً على الرفوف.
والسمن المهدرج، خاصة حين يكون بديلًا رخيصًا للسمن الطبيعي أو الزبدة أو الزيوت الجيدة، قد يكون من أخطر ما يتسلل إلى المائدة باسم الطعم والقوام والرخص. فهو يعطي الطعام ملمسًا مرغوبًا، ويساعد على حفظ بعض المنتجات، ويجعل المخبوزات أكثر هشاشةً، لكنه قد يحمل معه دهونًا متحولة أو آثارًا ضارة بحسب طريقة التصنيع والجودة، وهذه الدهون من أكثر ما يخشى ضرره؛ لأنها ترتبط بزيادة أخطار أمراض القلب والشرايين حين تكثر في الغذاء. ولذلك لا ينبغي للبيت العاقل أن ينخدع بكلمة “سمن نباتي” أو “زيت نباتي” دون أن يسأل: هل هو مهدرج؟ هل يحتوي على دهون متحولة؟ هل يدخل في منتجٍ مصنعٍ نأكله كل يوم؟
وفي هذا الموضع يظهر الفرق بين الطعام الطبيعي القريب من أصله، وبين الطعام الصناعي الذي قد يخفي داخله ما لا يراه المستهلك. فالزيت الذي تضعه ربة البيت بيدها تستطيع أن تقلله وتقيسه، أما الدهون المهدرجة فقد تدخل في البسكويت والكيك والمعجنات والحلويات الجاهزة دون أن ينتبه الطفل أو الكبير. ومن هنا فإن قراءة المكونات ليست ترفًا، بل وعيٌ ضروري. وكلما وجد الإنسان كلمات مثل: “زيوت مهدرجة”، أو “زيوت مهدرجة جزئيًا”، أو “دهون نباتية مهدرجة”، أو “سمن نباتي مهدرج”، فليتوقف، وليعلم أن هذا المنتج ليس كطعامٍ بسيطٍ مصنوعٍ من مكوناتٍ واضحة.
والأولى في البيوت أن تُقلل ما أمكن من هذه الدهون، وأن لا تجعل المخبوزات والحلويات التجارية عادةً يومية، وأن تُفضّل الطعام البيتي البسيط على المنتج المصنع كلما تيسر، وأن تستعمل الزيوت الطبيعية الموثوقة بكمياتٍ قليلة بدل السمن المهدرج، وأن تعرف أن الرخص الظاهر قد يخفي كلفةً صحيةً مؤجلة. فليس كل ما طال حفظه كان أصلح للبدن، وليس كل ما حسن قوامه وطعمه كان أنفع للصحة. وقد يكون الطعام الأبسط، الأقل لمعانًا وتغليفًا، أقرب إلى العافية من منتجٍ جميل الشكل طويل الصلاحية لكنه محشوٌّ بما يرهق الجسد.
وقد قال الله تعالى في وصف بعض نعمه: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: 20]. وهذه الآية الكريمة تشير إلى الزيتون وما فيه من دهنٍ يأتدم به الآكلون، وفيها تذكير بأن الدهن في أصله من الرزق، وأن الإنسان ينتفع به إذا أخذه في موضعه. فالخلل ليس في وجود الدهن، وإنما في أن تتحول النعمة إلى إسراف، وأن يغيب الميزان بين الحاجة والشهوة، وبين الطعام الذي يقيم البدن والطعام الذي يثقله.
ومن المهم أن نفرق بين الطهي بالزيت والقلي في الزيت. فالطهي المعتدل قد يحتاج إلى قدرٍ قليل، أما القلي العميق فيغمر الطعام ويجعله يمتص أكثر مما نتصور. ويمكن للبيت أن يخفف الضرر بطرق بسيطة: أن يقلل كمية الزيت في الطبخ، وأن يستخدم الملعقة بدل السكب المباشر من العبوة، وأن يكثر من السلق والشوي والطهي الهادئ، وأن يجعل المقليات أحيانًا لا كل يوم، وأن لا يعيد استعمال الزيت مراتٍ كثيرة حتى يتغير لونه ورائحته.
والرائحة واللون والدخان علامات ينبغي ألا تُهمل. فالزيت إذا تغيّر لونه، أو ثقلت رائحته، أو خرج منه دخانٌ شديد، أو استُعمل مرارًا حتى صار غامقًا لزجًا، فليس من الحكمة أن يستمر استعماله حرصًا على الاقتصاد. فالاقتصاد الحقيقي لا يعني أن نوفر قليلًا من الزيت ثم ندفع ثمن ذلك من صحة الجسد. ومن شكر النعمة أن نحسن استعمالها، لا أن نمددها حتى تفسد وتفسد ما تطبخ فيه.
وفي باب التغذية، لا بد من مراعاة اختلاف الناس.
فالشاب العامل الذي يبذل جهدًا بدنيًا ليس كالكبير قليل الحركة، والطفل النحيف ليس كمريض السمنة، ومن لا يعاني من أمراض القلب ليس كمن نصحه الطبيب بتقليل الدهون، ومن يعمل في الحقل أو البناء ليس كمن يجلس الساعات الطويلة. لذلك لا تصلح نصيحةٌ واحدةٌ جامدة لكل الناس، ولكن تصلح قاعدة عامة: أن الدهون تحتاج إلى اعتدال، وأن نوعها وطريقة استعمالها يصنعان فرقًا.
ومن الأخطاء الاجتماعية أن نربط الطعام الدسم بالقوة والوجاهة. فقد يظن المضيف أنه لا يكرم ضيفه إلا إذا أكثر اللحم والسمن والزيت، وقد تظن الأسرة أنها لم تطبخ طعامًا جيدًا إلا إذا بدا الدهن ظاهرًا فوقه. وهذا يحتاج إلى تصحيحٍ هادئ. الكرم لا يعني إتعاب الضيف، والجودة لا تعني إثقال المعدة، والطعام الطيب لا يلزم أن يكون غارقًا في الدهن. يمكن أن تكون المائدة كريمةً ومتوازنةً في وقتٍ واحد: فيها بروتين مناسب، وخضرة، وبقول، ونشويات بقدر، وزيت قليل محسوب، وماء حاضر، بلا مبالغة ولا تبذير.
وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل»، وهذا الدعاء وإن لم يكن في الطعام خاصة، فإنه يذكّرنا بأن المسلم يطلب من الله قوةً تعينه على العمل والعبادة والحياة. والطعام الذي يورث الخمول والثقل إذا تكرر حتى صار عادة، يناقض مقصد القوة والنشاط. فليس المطلوب طعامًا يحشو الجسد ثم يقعده، بل طعامٌ يقيمه ويعينه، ويمنحه طاقةً لا عبئًا، وخفةً لا كسلًا.
والإصلاح في باب الزيوت لا يبدأ بالحرمان، بل بالتقليل الذكي. من اعتاد أن يسكب الزيت في القدر بلا حساب فليبدأ بالقياس. ومن اعتاد المقليات اليومية فليجعلها في أيامٍ محدودة. ومن اعتاد إعادة الزيت مراتٍ كثيرة فليتوقف عند أول علامات تغيره. ومن اعتاد أن يرى الطعام ناقصًا إذا لم يلمع بالدهن فليعوّد ذوقه على طعم البصل والثوم والليمون والبهارات الطبيعية والخضروات نفسها. الذوق يتغير، كما تغير في السكر والملح، لكنه يحتاج إلى صبرٍ وتدرج.
وفي البيوت الفقيرة، قد يبدو تقليل الزيت مسألةً سهلة اقتصاديًا وصحيةً في آنٍ واحد؛ فالزيت من أكثر مكونات الطبخ تكلفةً نسبيًا، وتقليله لا يحفظ الصحة فقط، بل يحفظ مال البيت أيضًا. وإذا وُجه ما يُوفر منه إلى شراء خضرةٍ إضافية، أو بقوليات، أو لبن، أو فاكهة موسمية حين تتيسر، كان البيت قد كسب من جهتين: خفف ما يضر، وزاد ما ينفع. وهذه هي الحكمة العملية التي تحتاجها الأسر: لا نصائح مثالية بعيدة، بل تعديلات صغيرة في الموجود تصنع أثرًا حقيقيًا.
ومن أنفع الأسئلة قبل الطبخ: هل أحتاج كل هذه الكمية من الزيت؟ هل أستطيع أن أبدأ بالقليل ثم أزيد إن لزم؟ هل هذا الطعام سيُقلى مع أنه يمكن أن يُشوى أو يُطهى؟ هل أستخدم الزيت نفسه للمرة الثالثة أو الرابعة؟ هل أظن أن الطعام لا يطيب إلا بالدهن؟ هل في البيت مريض يحتاج إلى طعامٍ أخف؟ هل الأطفال يأكلون المقليات أكثر من الطعام المطبوخ؟ هذه الأسئلة، إذا صارت عادةً في المطبخ، غيّرت صحة البيت دون ضجيج.
إن الزيوت والدهون تكشف لنا قاعدة هذه السلسلة بوضوح: الغذاء لا يكون صحةً أو مرضًا بنوعه وحده، بل بمقداره وطريقته وتكراره. فالزيت القليل في موضعه نعمة، والزيت الكثير في غير موضعه عبء. والدهن الذي يخدم الطعام نافع، والدهن الذي يسيطر على المائدة ضار. والمقلي أحيانًا شيء، والمقلي كل يوم شيء آخر. والبساطة في الطبخ ليست فقرًا في الذوق، بل قد تكون غنىً في الحكمة.
وهكذا، فإن البيت الذي يحسن التعامل مع الزيوت لا يطرد الطعم من طعامه، بل يعيد إليه ميزانه. يطبخ باعتدال، ويقلي بقلة، ويختار قدر استطاعته، ولا يجعل الدهن عنوان الكرم ولا علامة الجودة. ومن فهم هذه القاعدة حفظ جسده وماله وذوق أهله، وجعل الزيت خادمًا للغذاء لا سيدًا عليه. فالدهون في قدرها صحة، وفي إسرافها مرض، وما بين الملعقة المحسوبة والسكب الغافل قد يبدأ فرقٌ كبير في حياة الإنسان ومائدته وعافيته.





