
تفاجأ مواطنون الجمعة ، وفق ما أوردته صحيفة “التيار” ، بزيادات كبيرة في تعرفة الكهرباء بلغت نحو 72%، دون صدور إعلان من الجهات المختصة، فيما ظهر ارتفاع الحزمة الأولى من 4,000 إلى 7,000 جنيه، والثانية من 5,000 إلى 9,000، والثالثة من 6,000 إلى 11,000 جنيه.
بالتزامن مع ذلك، أكد مواطنون أن قيمة الشحن المعتادة لم تعد تمنحهم سوى نصف ما كانوا يحصلون عليه سابقًا من وحدات الكهرباء، في مؤشر عملي على حجم التحول الذي طرأ على الخدمة وكلفتها.
في الظروف الطبيعية، قد يُقرأ مثل هذا القرار باعتباره إجراءً اقتصاديًا يرتبط بكلفة التشغيل بالنظر إلى تدهور العملة وارتفاع الدولار ، أو بتراجع الدعم، أو الإنتاج والتوزيع، وهي اعتبارات تعرفها كل الدول التي تواجه ضغوطًا مالية أو اختلالات هيكلية في قطاع الطاقة.
لكن السودان اليوم لا يعيش ظرفًا طبيعيًا، بالنظر الي الحرب التي أنهكت البنية التحتية، واستنزفت الموارد، ودفعت ملايين المواطنين إلى إعادة تعريف أولويات الحياة اليومية . وفي مثل هذا السياق، لا تصبح القرارات الخدمية مجرد قرارات مالية، بل تتحول إلى رسائل سياسية كاملة المعنى.
المسألة هنا كما أحب أن أوضح ليست في الزيادة وحدها، مهما كانت قسوتها على مجتمع يعيش تحت ضغط التضخم وتراجع الدخول وانكماش النشاط الاقتصادي، وإنما في الطريقة التي وصل بها القرار إلى الناس.
المواطن لم يسمع بها عبر بيان رسمي أو مؤتمر صحفي ، ولم يتلق تفسيرًا من شركة الكهرباء القابضة، ولم يجد خطابًا حكوميًا يشرح الضرورات أو يقدم الأرقام أو يضع القرار في سياقه الفني والاقتصادي. بل اكتشف الأمر لحظة الشحن، أمام شاشة العداد. وهذه ليست مجرد فجوة إعلامية وسوء إدارة ، وإنما مؤشر عميق على أزمة في فلسفة إدارة وتقديم الخدمة.
في علم السياسة، لا تُقاس قوة الدولة فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، وإنما بقدرتها على إنتاج القبول حوله. والقبول لا يُفرض بالقانون وحده، بل يُبنى بالثقة. والثقة في أوقات الحروب والأزمات، تعتبر مورد استراتيجي لا يقل أهمية عن النقد الأجنبي أو الوقود أو احتياطي القمح أو حتى إدارة الحرب. وحين تبدأ المؤسسات في اتخاذ قرارات تمس الحياة اليومية للمواطنين دون مصارحة أو تفسير، فإنها لا تعيد تسعير خدمة فقط ، بل تعيد — من حيث لا تدري — هندسة علاقتها بالمجتمع.
الأخطر أن هذه الزيادة لم تأتِ في سياق تحسن في الخدمة، أو توسع في الإمداد، أو استقرار في الشبكة، أو برنامج معلن لإعادة التأهيل.
بل جاءت بينما ما تزال الكهرباء نفسها واحدة من أكثر الملفات إثارة للشكوى اليومية، قطوعات تمتد لساعات طويلة، تذبذب مستمر في التيار، خسائر منزلية وتجارية بسبب تلف الأجهزة، وتعطل أنشطة إنتاجية صغيرة يعتمد عليها آلاف الأسر في البقاء. وهنا يصبح السؤال الذي يتشكل في ذهن المواطن مشروعًا إلى أبعد الحدود: لماذا أدفع أكثر مقابل خدمة أقل؟
غير أن المفارقة التي يصعب تجاوزها: كيف ترتفع الكلفة بينما تنخفض القدرة الفعلية على الاستفادة من الخدمة؟ هذا هو الإحساس اليومي الذي يتشكل داخل البيوت، في الأسواق في العيادات ، وفي الورش التي تعتمد على الكهرباء لتستمر. إحساس متكرر بأن المواطن يُطلب منه أن يدفع أكثر في مقابل واقع أقل استقرارًا، وأضعف طمأنينة، وأشد هشاشة، بما يجعل القرار في وعي الناس يتجاوز كونه إجراءً إداريًا إلى كونه اختبارًا مباشرًا لمدى توازن العلاقة بين الدولة والمجتمع.
في أدبيات الإعلام التنموي، يُنظر إلى المواطن باعتباره شريكًا في تحمل كلفة الإصلاح، لا مجرد متلقٍ للقرارات. والشراكة لا تُبنى بالمفاجآت، وإنما بالمعلومة. لا تُدار بالغموض، وإنما بالمصارحة. وقد أثبتت تجارب كثيرة في الدول الخارجة من النزاعات أن المجتمعات يمكن أن تتحمل قرارات أكثر قسوة ، إذا شعرت أن هناك من يخاطبها باحترام، ويشرح لها حجم الأزمة، ويقدم لها صورة واضحة عن الكلفة والمآل والبدائل.
أما حين تغيب المعلومة، فإن الشائعات بالفساد تملأ الفراغ. وحين يغيب التفسير ، تتحول كل خطوة إصلاحية مهما كانت ضرورية إلى مادة للغضب والشك والتأويل. وحين تتكرر هذه الحالة، لا تسقط فقط صورة المؤسسة الخدمية، بل تسقط فكرة الدولة نفسها باعتبارها مرجعية موثوقة.
قد تكون إدارة الكهرباء تملك مبرراتها الفنية والمالية، وربما فرضت الحرب واقعًا جديدًا لا يمكن تجاوزه دون مراجعة التعرفة. هذا احتمال وارد، بل ومفهوم. لكن حتى القرارات الصحيحة اقتصاديًا يمكن أن تتحول إلى أخطاء سياسية إذا قُدمت بالطريقة الخطأ. وهنا تكمن خطورة ما حدث.
ما يحدث في قطاع الطاقة بحسب #وجه_الحقيقة لا يفتح فقط ضعف إدارة ملف الكهرباء، بل يفتح سؤالًا أكبر عن كيفية إدارة الدولة لأزماتها في هذه المرحلة المفصلية، هل هو الفشل أم ضعف الخبرة أم سوء الإدارة. فالمؤسسات لا تفقد ثقة الناس دفعة واحدة، بل تفقدها تدريجيًا، مع كل قرار بلا تفسير.
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 4 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com





