مقالات

عبد المنعم شجرابي يكتب | موت قدرة

بمناسبه حظر استيراد الفول والقرار الفورى برفع الحظر اعيد نشر هذه الاستراحة ( الفوليه ) التى نشرت بصحيفة المشاهد بتاريخ 18 ديسمبر 1999
*استراحة الجمعة*
عبد المنعم شجرابي…
. موت قدرة
أعذروني فأنا أصنف قدرة الفول من
«الكائنات الحية» لا الجمادات لم لا وهي تطعمنا في اليوم وجبتين من الثلاث وجبات وتساوي هي – بلا تفرقة – بين الأثرياء والفقراء وبين العامل ورجل الأعمال وبين الطفل والشيخ وما يخرج من بطنها يخرج لجميع الناس – ضعيفهم وسمينهم – وبشراهة يلتهمون منه وكل لحم أكتافنا من

خيرها .. وقدرة الفول هذه ليس هنالك أخلص منها، فمن أجلنا تنتظر الساعات الطوال على نار ذات لهب وهي تفور وتغلي وتجقجق»، وتمنح عطاءها للقريب وتنتظر البعيد دون ملل ولاتمل دخول «الكمشه» وخروجها في عملية آلية « ولا تزهج» إطلاقاً من «مطاقشة» الصحون وترحب بالبستلات والجكوك وبدون تطويل ولا تهويل أؤكد لكم إنها تحبنا أكثر مما نحبها وإن لم يكن الامر كذلك لما ظلت بيننا وبينها كل هذه العلائق و«الولف» وبإمتداد زمني ضارب في القدم لا يعلم به إلا الله وأنا شخصياً أحترم قدرة الفول هذه إحتراماً مبالغاً فيه ولا أمر قربها إلا وأحييها، ولو لا بعض الحياء

لنزلت في كل مرة مقبلاً لها على خديها البارزين وفمها الكامل الإستدارة، ولم أكن أتخيل أن يحدث بيني وبينها ما حدث عشية الإثنين الماضي فبعد أن أخذت ما أخذته من محل الفول الشهير بالخرطوم من ساندويتشات وأثناء اللحظات الأولي لتحرك العربة صاحت الدنيا الواقفة كلها يازول حاسب.. يازول حاسب وأوقفت ماكينة العربة وقبل أن أنزل كانت الحسرة والأسى قد غطت الوجوه وأمام العربة كانت القدرة ترقد مصابة وسال الفول مطر» من صدمة العربة الخفيفة الثقيلة وحبيباته «الغليدة» تطايرت هنا وهناك وكثير منها رقد فوق بعضه البعض وكأنه يريد أن يحمي نفسه من الوصول إلى التراب وأمام هذا المنظر

المأساوي الذي يقطع المصارين وبعض المصارين تتقطع له جوعاً .. إرتبكت وعقدت الدهشه لساني ولم أعرف هل أبدا بالاعتذار للقدرة المسكينة التي ألقيت بها أرضاً وهي «حامل» أم أعتذر لكل حبة من الحبات التي خرجت من بطنها وسقطت علي الارض وهي تريد أن تنزل علي بطن جائع لتسد له رمقه أم أعتذر لصاحب المحل الذي « أتي بالفول وشد القدره» ووقف عليها حتي نضجت وينتظر منها حفنة من الجنيهات، لكني شعرت أن الاعتذار الحقيقي يجب

ان يكون في الأصل لكمين بشر » وقفوا لهذه القدرة ليأخذ كل واحد منهم نصيبه، إن كان على المستوي الفردي أو الجماعي ويقوم بعدها «بالتصليح» المطلوب بإضافة «جرعة» من الزيت أو «مسحة» من السمن أو بإضافة قطعة من الجبن وكرات» من الطعمية «ورشة » من الشمار … فليس هناك صحن في الدنيا أطيب وألذ وأشهي من الفول «المصلح» وأنا واحد من «الدعاة» أبداً ودائماً لصحن الفول «ربنا ما يحرمنا منو».

وأخيراً تمالكت نفسي ووقفت أمام صاحب المحل معتذراً وعارضاً عليه التعويض عن الأضرار التي سببتها «عربتي التعيسة» فهجم علي الرجل بعنف وقسوة وصاح بملء فمه يا زول انت ما سوداني علي الطلاق بالثلاثة لو ما سحبت كلامك ده سكيني دي تاخدك ياخي ربنا أراد كده والقدرة دي مافي زول عندو رزق فيها وأكلها «التراب» ، فوقفت مشدوها ومتأثراً بإيمان الرجل وحسن معاملته وأعتذرت كثيراً وكثيراً وشكرته كثيراً وكثيراً ومتحسراً ألقيت النظرة

الأخيرة على قدرة القول وهي «مخفجة » و « معفصة» وراقدة علي الأرض بعد أن أجبرها الحادث علي «الإجهاض» والحقيقة فقد كان إحساسي بالذنب كبيراً وعظيماً فأنا وبلاشك لم أصدم قدرة الفول بل «صدمت » العشرات الذين كانوا «يتلهفون» إلي الساخن الذي بداخلها في ليلة باردة. ويا أخوتي بشرطة المرور ليس هنالك أعظم وأضخم وأكبر من حادث مرور تموت فيه قدرة فول .. يرحمها ويرحمنا ويرحمكم الله.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى