مقالات

مذكرات كيسنجر (2 من 24):  العقل الواقعي… كيف يرى العالم؟

بهدوء وتدبر |محمد عثمان الشيخ النبوي

إذا كانت مذكّرات كيسنجر، في مجموعها، تكشف كيف تُدار السياسة الدولية من داخل دوائر القرار الأمريكي، فإن المدخل الأهم لفهم هذه المذكرات لا يقتصر على متابعة الوقائع والأحداث، بل يتجاوز ذلك إلى فهم العقل الذي كان يقرأ تلك الوقائع، ويرتبها، ويستخرج منها قواعد الحركة والتصرف. ذلك أن كيسنجر لم يكن مجرد مسؤول يتنقل بين الملفات، بل كان صاحب تصور واضح نسبيًا عن الدولة، وعن التوازن الدولي، وعن موقع القوة في صناعة القرار، وعن الطريقة التي ينبغي بها إدارة العلاقات بين الأمم. ومن غير فهم هذا التصور، تبقى قراءتنا لكثير من مواقفه الجزئية قراءة ناقصة، لأن الخيط الذي يجمع بين تحركاته في الصين، والاتحاد السوفيتي، وفيتنام، والشرق الأوسط، هو خيط فكري قبل أن يكون مجرد تسلسل في الوقائع.

ويقوم ما يُعرف بالعقل الواقعي عند كيسنجر على أن العالم ليس ساحةً تتحرك فيها الدول وفق المثال الأخلاقي المجرد وحده، ولا ميدانًا تصنع فيه النوايا الحسنة ما تعجز عنه القوة والتنظيم، بل هو مجال تنافس دائم بين مصالح، ومخاوف، وتحالفات، وموازين قدرة، وحسابات ردع. وفي مثل هذا العالم لا يكون السؤال الأول دائمًا: من الذي يملك الرواية الأخلاقية الأقوى؟ بل: من الذي يملك القدرة على الفعل؟ ومن الذي يحسن قراءة موازين اللحظة؟ ومن الذي يستطيع حماية مصالحه أو تحسين موقعه أو تقليل خسائره؟ وهذه الرؤية، بصرف النظر عن الاتفاق معها أو الاختلاف، تكشف جانبًا مهمًا من منطق السياسة الدولية الحديثة، وهو أن الحق، في المجال العملي، يحتاج غالبًا إلى من يحسن حمله والدفاع عنه، لا إلى مجرد الإيمان به.

ومن هنا كان كيسنجر ينظر إلى السياسة الدولية على أنها فنٌّ في إدارة التوازنات بقدر ما هي فن في إعلان المبادئ. فالعالم، في هذا التصور، لا يستقر لأن الجميع متفقون على منظومة واحدة من القيم، بل لأن القوى المختلفة تضطر، أحيانًا، إلى التعايش داخل موازين ردع وحسابات مصالح وشبكات تفاهم مرحلية. ولذلك كان شديد العناية بمفهوم “توازن القوى”، لا لأنه يراه مرادفًا للعدل الكامل، بل لأنه كان يراه وسيلة عملية لتقليل الفوضى ومنع الانفجار الشامل. فهو لا ينطلق من حلم بعالم مثالي، بل من محاولة إدارة عالم شديد الاضطراب بأقل قدر ممكن من الانهيار الواسع.

ومع ذلك، فإن هذه الواقعية، على ما فيها من فقه بطبيعة الصراع، تحمل في داخلها ميلًا واضحًا إلى جعل الدولة والمصلحة في مركز النظر، على حساب الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية الأوسع في بعض الأحيان. وحين يحدث ذلك، تصبح السياسة معرضة لأن تقرأ الشعوب والقضايا والحقوق من زاوية أثرها في ميزان القوة، لا من زاوية عدالتها الذاتية أولًا. وهذه هي النقطة التي تستحق قدرًا كبيرًا من التأمل والنقد؛ لأن الفهم الدقيق للواقع لا يبرر، في ذاته، أن يُختزل الإنسان في معادلة، أو أن تُقاس القضايا الكبرى فقط بما تحدثه من أثر في التوازنات الدولية.

ومع ذلك، فإن من الخطأ أن تُقرأ الواقعية السياسية عند كيسنجر بوصفها خطأً محضًا لا شيء فيه من الفائدة. ففيها، بلا شك، عناصر من الحكمة العملية التي لا غنى عنها لكل أمة تريد أن تفهم الدنيا كما هي، لا كما تتمنى أن تكون فقط. ففيها إدراك أن النوايا وحدها لا تكفي، وأن الخطاب الأخلاقي إذا لم يسنده وعي بالموازين والبدائل والمخاطر قد يظل محدود الأثر، وأن الخصوم لا يُواجَهون بالتمنيات، بل بفهم قدرتهم وحدودهم ونقاط ضعفهم. وهذا المعنى، من حيث الأصل، لا يناقض الرؤية الإسلامية، لأن الإسلام نفسه لا يبني الفعل الراشد على الغفلة عن الواقع، ولا على الجهل بسنن التدافع، ولا على إهمال الأخذ بالأسباب.

لكن الفرق الجوهري بين الرؤية الإسلامية وبين الواقعية الكيسنجرية أن الإسلام يعترف بالواقع من غير أن يجعله المرجع الأعلى، ويفهم القوة من غير أن يؤلّهها، ويعتبر المصلحة من غير أن يجعلها المعيار النهائي الذي تذوب فيه جميع القيم. فالإسلام لا يقول لصاحب الحق: يكفيك أن تكون مظلومًا حتى تنتصر، كما أنه لا يقول له: افعل كل شيء لتنتصر مهما كانت الوسيلة. وإنما يطلب منه أن يجمع بين الإعداد، وحسن التقدير، وطول النفس، ومعرفة مكر الخصوم، وبين البقاء داخل حدود العدل والضبط الأخلاقي. ومن هنا فإن السياسة، في المنظور الإسلامي، ليست خروجًا من الأخلاق، بل هي امتحان حقيقي للأخلاق في ميدان الواقع المعقد.

ومن هنا يمكن أن نفهم سر الجاذبية التي مارسها كيسنجر على كثير من الساسة والمحللين؛ فهو لا يقدم لهم عالمًا مثاليًا، بل يقدم لهم عالمًا مضطربًا كما يراه، ثم يشرح كيف يمكن التحرك فيه بأكبر قدر من الفاعلية. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التحرر من الوهم إلى تحرر من الضمير، وحين يصبح فهم العالم القائم مقدمةً للتسليم به بدل السعي إلى تغييره أو تهذيبه أو مقاومة جوانب ظلمه. فليس كل ما يفرضه ميزان القوة عدلًا، وليس كل ما يمنع الانفجار الفوري يحقق سلامًا حقيقيًا، وليس كل ما يبدو “واقعيًا” يصلح أن يكون مبدأً دائمًا في النظر إلى الإنسان والتاريخ.

ولهذا فإن المطلوب في قراءة كيسنجر ليس الانبهار بقدرته على التحليل، ولا الرفض الانفعالي لمنهجه كله، بل التمييز بين أمرين: بين فقه الواقع، وهو ضرورة لا غنى عنها، وبين الاستسلام للواقع بوصفه المرجع الأخير. ففقه الواقع يمنع السذاجة، ويعلم الأمة أن الحقوق تحتاج إلى قوة تحميها، وأن الصراع يحتاج إلى صبر وتقدير وتنظيم. أما الاستسلام للواقع، فيجعل التوازنات القائمة أشبه بقدر لا يُراجع، ويجعل اختلال القوة مبررًا دائمًا لتأجيل العدل أو تجزئة الحق أو القبول بما لا ينبغي القبول به.

ومذكّرات كيسنجر مليئة بهذا العقل الواقعي في مختلف تفاصيلها. فهو يقرأ الزعماء من حيث قدرتهم على الفعل، ويقيس الدول من حيث وزنها وموقعها، وينظر إلى التحالفات باعتبارها أدوات مرنة لا روابط ثابتة، ويرى أن الخصوم قد يكون التفاهم معهم أحيانًا أجدى من الصدام المفتوح، وأن بعض التنازلات المرحلية قد تكون في نظره وسيلة لتحصيل مكاسب أوسع أو لتجنب خسائر أكبر.

وكل هذه المعاني تكشف خبرة سياسية حقيقية، لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب هو: في خدمة ماذا تُستخدم هذه الخبرة؟ وما الحدود التي تضبطها؟ ومن الذي يدفع ثمنها عندما تُدار من منظور القوة المجردة؟

ولذلك فإن من أهم ما ينبغي أن نخرج به من هذه الحلقة أن كيسنجر لا يرى العالم كما يراه صاحب الخطاب الأخلاقي المبسط، ولا كما يراه الحالم المنفصل عن الواقع، بل كما يراه رجل دولة يعتقد أن القوة لغة لا يجوز الجهل بها، وأن المصالح عنصر لا يجوز تجاهله، وأن الدول الكبرى لا تتحرك بالعاطفة وحدها. وهذه الرؤية تمنح صاحبها قدرة على المناورة والحركة، لكنها قد تحمله أيضًا، إذا لم يكن فوقها معيار أعلى، على تغليب الدولة على الإنسان، والاستقرار على العدل، والتوازن على الحق.

وهكذا نقترب من العصب الفكري الذي يسري في مذكرات كيسنجر كلها تقريبًا: عقلٌ يزن، ويقارن، ويرتب، ويتحرك داخل عالم مضطرب من دون أوهام كثيرة، لكنه يظل محتاجًا إلى ميزان أعلى يضبطه حتى لا يتحول فقهه بالواقع إلى تسويغ دائم لاختلاله. وفي الحلقة القادمة ننتقل إلى سؤال أكثر حساسية: هل كانت الدولة عند كيسنجر فوق الأخلاق، أم أن الأخلاق نفسها كانت تُعاد صياغتها عنده لتخدم الدولة؟ وهناك سنقترب أكثر من جوهر الإشكال في السياسة الحديثة حين تتزاحم المبادئ والمصالح وتظهر الحدود الفاصلة بين الحكمة والانحياز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى