مقالات

 نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (12 من 26): القيمة المضافة في النماذج الواقعية… كيف يتضاعف الربح؟

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

🔴 تنبيه منهجي:

يقوم هذا الطرح على أن صلاح البيئة العامة للدولة هو الإطار الأمثل لنجاح أي نهضة اقتصادية، غير أن غيابه أو تأخره لا يمنع من العمل ضمن الممكن. كما يُراعى في تقدير التكاليف والعوائد النظر إلى قيمتها الحقيقية لا الاسمية، بما يحفظ رأس المال من التآكل مع تقلبات الأسعار.

أحد أكبر الأسباب التي تجعل القرى تعمل كثيرًا وتكسب قليلًا أنها تبيع جهدها في أبكر صورة ممكنة. تنتج، ثم تُخرج المنتج خامًا كما هو، فيذهب الجزء الأوسع من الربح إلى من يفرز، أو ينظف، أو يجفف، أو يعبئ، أو يخزن، أو يسوق. ومن هنا تأتي أهمية القيمة المضافة، لأنها ببساطة هي الفرق بين بيع المادة في صورتها الأولى، وبيعها بعد أن يُدخل عليها تحسين يرفع نفعها وسعرها وقدرتها على الوصول إلى السوق.

والقيمة المضافة لا تعني بالضرورة مصنعًا كبيرًا أو تعقيدًا تقنيًا فوق طاقة القرية، بل قد تبدأ بخطوة صغيرة واضحة: فرزٍ أفضل، أو تنظيفٍ أدق، أو تجفيفٍ منظم، أو تعبئةٍ أحسن، أو طحنٍ، أو عصرٍ أولي، أو حفظٍ يمنع التلف، أو حتى بيعٍ مؤجل إلى وقتٍ أنسب. وهذه الخطوات البسيطة قد تصنع في بعض الأحيان فارقًا أكبر من زيادة كمية الإنتاج نفسها. ولهذا فإن القيمة المضافة ليست نوعًا واحدًا. فقد تكون بسيطة، مثل الفرز والتعبئة والتنظيف. وقد تكون متوسطة، مثل التجفيف أو الطحن أو العصر أو التجهيز الأولي.

وقد تكون أعلى من ذلك، مثل التصنيع الغذائي الصغير أو تحويل الخام إلى منتج نهائي. والمهم هنا ليس بلوغ أعلى درجة بسرعة، بل اختيار الدرجة التي تستطيع القرية إتقانها بالفعل. ومن الخطأ أن يُفهم هذا الباب على أنه دعوة إلى أي تحويل كيفما اتفق، لأن بعض الخطوات قد ترفع الكلفة أكثر مما ترفع القيمة، أو تدخل القرية في نشاطٍ لا تحسن أداءه، أو تضعها أمام سوقٍ لا يثق بمنتجها. ولذلك فإن المعيار الصحيح بسيط: أقل زيادة ممكنة في الكلفة، مقابل أوضح زيادة ممكنة في القيمة.

فإذا كانت الخطوة الجديدة مفهومة، وقابلة للتكرار، ولا تحتاج إلى عبءٍ يفوق الطاقة، وكانت نتيجتها ظاهرة في السعر أو الحفظ أو القبول في السوق، فهي خطوة جديرة بالتجربة. وليس هذا الكلام نظريًا محضًا؛ فقد عرضت منظمة الأغذية والزراعة في كتابها Agro-industries for Development نماذج عملية لكيفية رفع قيمة المنتجات الريفية عبر خطوات تجهيز بسيطة، ومن بين الأمثلة التي يكثر الاستشهاد بها في هذا الباب نموذج أوغندي معروف هو Fruits of the Nile Ltd، القائم على تجفيف الفاكهة بدل الاكتفاء ببيعها طازجة. والعبرة هنا ليست في تقليد التجربة بحذافيرها، بل في فهم مبدئها: أن خطوةً بسيطة محسوبة في التجهيز أو الحفظ قد ترفع السعر، وتقلل الفاقد، وتفتح بابًا جديدًا للعائد.

كما أن القيمة المضافة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالجودة. فالتحويل السيئ قد يضر المنتج أكثر مما ينفعه، والتعبئة الضعيفة قد تفسد أثر الجهد كله، والسوق لا يكافئ مجرد المحاولة، بل يكافئ الإتقان القابل للتكرار. ولهذا فإن النجاح في هذا الباب يحتاج إلى حد أدنى من الانضباط: نظافة، وتجانس، وصدق في الوزن أو الحجم، وحسن في الإخراج، حتى يثق المشتري بما يشتري. ومن مزايا القيمة المضافة أيضًا أنها لا تزيد الربح فقط، بل تزيد التشغيل داخل القرية. فالمنتج الذي يمر بمرحلة أو مرحلتين إضافيتين يخلق أعمالًا أخرى: من يفرز، ومن ينظف، ومن يعبئ، ومن يخزن، ومن ينقل، ومن يبيع.

وبذلك تتحول زيادة القيمة إلى زيادة في عدد المنتفعين من النشاط المحلي، لا إلى زيادة في الدخل الفردي وحده. ثم إن القيمة المضافة ليست بابًا للربح فقط، بل هي كذلك وسيلة لحماية الجهد من الضياع. فالمنتجات التي يهددها التلف قد ينقذها التجفيف أو التبريد أو التصنيع الجزئي، والمنتجات التي يضغطها موسم الوفرة قد ينقذها التخزين أو تحسين توقيت البيع. وهنا لا تكون القيمة المضافة تحسينًا تجميليًا، بل وسيلة عملية لتقليل الخسائر.

إن القرية التي تريد أن تتقدم اقتصاديًا لا يكفيها أن تنتج، بل ينبغي أن تسأل: ما الذي يمكن أن نضيفه إلى هذا المنتج قبل أن يغادرنا؟ وما الحلقة البسيطة التي لو امتلكناها لارتفع عائدنا؟ وما الحد الذي نستطيع بلوغه بإتقان قبل أن نفكر في خطوة أكبر؟ فهذه الأسئلة هي التي تصنع الانتقال الحقيقي من الاقتصاد الخام إلى الاقتصاد الأذكى. فالقيمة المضافة ليست رفاهية، بل هي في كثير من الحالات الفارق الحقيقي بين جهدٍ كبير وعائدٍ محدود، وبين جهدٍ منظم يعرف كيف يحتفظ لنفسه بنصيبٍ أكبر من الثمرة. مرجع نموذجي: Agro-industries for Development (FAO). نموذج تطبيقي: Fruits of the Nile Ltd – Uganda.

وفي المقال القادم إن شاء الله ننتقل من هذا المعنى العام إلى صورته المباشرة في النشاط القروي نفسه: من بيع الخام إلى صناعة القيمة المضافة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى