مني ابوزيد تكتب | هناك فرق | ثورة الشك..!

“في الحروب الأهلية يكون الولاء نفسه، في الغالب الأعم، احتمالًا قابلًا للمراجعة، وليس يقيناً ثابتاً”.. الكاتبة..!
الكيانات التي تُبنى على الخوف كثيراً ما تنسى أن الخوف نفسه كائن غير وفي، يبقى ما دامت الكفة راجحة، ثم يغادر فجأة تاركاً الجميع أمام حقيقتهم العارية..!
لذلك، حين تتحدث الأخبار عن خلافات داخلية وراء انشقاق النور القبة والسافنا عن الدعم السريع، فإن المسألة تبدو أعمق من مجرد خلاف تنظيمي، لأن الخلافات داخل الجماعات المسلحة ليست حادثاً طارئاً، بل هي الوجه الحقيقي الذي يظهر حين تتعب الأقنعة..!
فالانتصارات دائماً كريمة مع التماسك، حين تكون القوة في صعود، يصمت الجميع تقريباً. الطموحات تُؤجل، الغيرة تُبتلع، والأسئلة تُدفن تحت ضجيج السلاح. لكن عندما تبدأ الأرض في الاهتزاز تبدأ العقول أيضاً في مراجعة حساباتها القديمة..!
فالبشر حتى في عز الحروب وفي أثناء المعارك يظلون بشراً بشكل محرج جداً، يحملون معهم إلى المعارك كل الأشياء الصغيرة التي ظنوا أنهم قد تجاوزوها “الغيرة، الإقصاء، الإحساس بالتهميش، ومعارك النفوذ، والرغبة القديمة في أن يكون المرء هو الأقرب إلى مركز الصورة..!
حتى المليشيات للأسف لا تنجو من تلك الدراما البشرية المعتادة، وكأن الإنسان مجبول على أخذ مشكلات المكاتب الإدارية معه إلى ساحات القتال..!
وفي هذا السياق يمكن فهم الفارق بين القيمة العسكرية والقيمة المعنوية للانشقاق. فالقيمة العسكرية لأي قائد تُقاس بعدد الرجال والمواقع والنفوذ الميداني، ويمكن تعويضها في ميزان الحرب بإعادة التموضع أو استبدال الرجال أو تغيير الخطط..!
لكن القيمة المعنوية لا تُقاس بالسلاح، بل بما يخلِّفه الخروج من أثر نفسي داخل الصف نفسه “لحظة يتراجع فيها اليقين، وتبدأ فيها الأسئلة المحظورة في الظهور بهدوء..!
فالخسارة العسكرية يمكن احتواؤها، أما الخسارة المعنوية فهي أكثر خبثاً لأنها لا تنقص العدد فقط، بل تنقّب في الإيمان الداخلي للجماعة. لذلك لا يكون السؤال الحقيقي “كم فُقد من المقاتلين، بل كم مقاتلاً بقي وهو يفكر للمرة الأولى في باب الخروج”..!
ولهذا تبدو الخلافات الداخلية أخطر أحياناً من الهجمات الخارجية. فالعدو الخارجي يوحد الصفوف مؤقتاً، أما الخلاف الداخلي فيجعل كل فرد ينظر إلى رفيقه بعين مختلفة..!
الجماعات المسلحة لا تنهار فقط حين تخسر المعارك بل حين يبدأ أفرادها في فقدان قدرتهم على تصديق بعضهم البعض. وفي السودان تحديداً تبدو الولاءات السياسية والعسكرية هشة بشكل يكاد يكون فلسفياً..!
بلد تتحرك فيه التحالفات بسرعة تجعل المواطن العادي يحتاج إلى تحديث عاطفي مستمر ليفهم من صار ضد من. وربما لا يكون السؤال “لماذا انشق السافنا أو النور القبة، بل ماذا يحدث داخل أي كيان حين يبدأ الخوف نفسه في فقدان هيبته”..!
لأن الناس لا يرفعون أصواتهم داخل الكيانات الصارمة إلا حين يشعرون أن القبضة لم تعد محكمة كما كانت. وفي النهاية، ربما لا تبدأ نهاية الحروب من أصوات القذائف والانهيارات، بل من صوت بعض الأقدام وهي تغادر بعض المعسكرات بهدوء!.
المصدر | صحيفة العودة
munaabuzaid2@gmail.com





