
في السنوات الأخيرة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للنقاشات الحادة حول العلاقات الإنسانية، وحقوق المرأة، وحقوق الرجل، والزواج، والأدوار الاجتماعية. لكن الملاحَظ بصورة واضحة أن كثيراً من هذه النقاشات لم تعد تُدار بعقلية البحث عن الحقيقة، بل بعقلية الانتصار وإسقاط الطرف الآخر.
أحد أكثر الأساليب انتشاراً في هذا النوع من السجالات هو الانتقال من مناقشة الفكرة إلى مهاجمة الشخص نفسه. فبدلاً من الرد على الرأي بالحجة والمنطق، نجد البعض يلجأ إلى السخرية، أو التشكيك في النوايا، أو التقليل من قيمة الطرف الآخر، وكأن المطلوب هو كسر الإنسان لا تفنيد الفكرة.
في القضايا المرتبطة بالرجل والمرأة تحديداً، تظهر هذه الظاهرة بصورة أكبر، لأن النقاش هنا لا يكون مجرد تبادل آراء، بل يرتبط بالعاطفة والتجارب الشخصية والصور الاجتماعية الراسخة. لذلك نجد بعض العبارات الجاهزة تُستخدم بكثرة، مثل التشكيك في الرجولة، أو اتهام الطرف الآخر بالكراهية أو العقد النفسية، أو استحضار الدين والأخلاق بطريقة هدفها الإحراج أكثر من الإقناع.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن هذا السلوك ليس حكراً على النساء كما يظن البعض، ولا على الرجال أيضاً. فالطرفان قد يقعان في فخ الشخصنة عندما يشعران بأن أفكارهما أو مصالحهما أو صورتهما الاجتماعية مهددة. والرجل قد يستخدم بدوره أوصافاً تقلل من المرأة أو تتهمها بالعاطفة والسطحية، تماماً كما قد تستخدم المرأة عبارات تستهدف الرجل شخصياً بدلاً من مناقشة رأيه.
المشكلة الحقيقية ليست في الاختلاف، فالاختلاف أمر طبيعي وصحي، وإنما في الطريقة التي نُدير بها هذا الاختلاف. لأن الحوار حين يفقد احترامه يتحول إلى معركة نفسية، لا إلى مساحة للفهم والتقارب.
كما أن التعميم يظل من أخطر ما يفسد النقاشات. فليس كل رجل يهاجم المرأة، وليس كل امرأة ترفض الحوار العقلاني. هناك رجال يمتلكون قدراً كبيراً من الاتزان والإنصاف، كما توجد نساء قادرات على إدارة أعمق النقاشات الفكرية بهدوء ووعي. والعكس صحيح أيضاً.
إن المجتمعات لا تتقدم بالصوت الأعلى، ولا بالإهانات المتبادلة، بل بثقافة الاستماع واحترام الإنسان حتى عند الاختلاف معه. فالفكرة تُواجه بفكرة، والحجة تُرد بالحجة، أما التقليل من الناس ومحاولة إحراجهم أو كسرهم نفسياً، فهو دليل ضعف في الحوار لا قوة فيه.
ويبقى السؤال الأهم:
هل نريد فعلاً الوصول إلى الحقيقة، أم مجرد الانتصار على بعضنا البعض؟
ذلك هو الفارق بين الحوار الناضج، والجدل الذي يستهلك الجميع دون أن يغيّر شيئاً.





