مقالات

الهلال الأحمر بشمال كردفان… نبض الحياة في قلب الأزمة

همس البوادي|سعادسلامة

في ولاية شمال كردفان حيث اختلط صدى النزوح بأنين الحاجة يتحرك الهلال الأحمر السوداني فرع الولاية بخطى ثابتة لا تعرف التوقف لم يعد وجوده مجرد اسم على لافتة بل صار عنواناً للطمأنينة في بيوت أنهكها الفقد وأملاً يتجدد في مراكز إيواء ضاقت بساكنيها
منذ اندلاع الأزمة جعل الفرع من الإنسان محور عمله لم ينتظر أن تهدأ الظروف ولم يربط تحركه باكتمال الإمكانيات فكانت البداية بتوزيع السلال الغذائية العاجلة التي استهدفت 3500 أسرة من النازحين المستضافين في مختلف محليات الولاية بدعم كريم من الهلال الأحمر التركي وتنسيق مباشر مع مفوضية العون الإنساني .

وصلت المساعدات إلى من لا يملكون من الأمر شيئاً خلف كل كيس دقيق وكل علبة زيت كانت هناك قصة أسرة نامت ليلة كاملة دون أن تفكر من أين يأتي الغد لم يكن الأمر مجرد إغاثة بل كان استعادة لشعور الأمان المفقود
لكن الفرع أدرك مبكراً أن إطعام الجائع لا يكفي إن ظل مريضاً وعطشاً فانطلقت مشاريع المياه وصحة البيئة في مركز النازحين الموحد بمدينة الأبيض بتمويل من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر. أقيمت مصادر مياه آمنة وأعيد تأهيل دورات المياه ونُفذت حملات توعية صحية مستمرة استهدفت الأمهات والأطفال لم تعد الأمراض المعدية تهدد كل بيت وعاد الأطفال للعب خارج الخيام دون خوف من الماء الملوث هذا التحول لم يأتِ من فراغ بل من عمل ميداني يومي يقوده متطوعون يعرفون أن الوقاية خير من ألف علاج
ولأن الصحة حق لا يحتمل التأجيل مضى الفرع خطوة أبعد بإنشاء وتأهيل مراكز صحية في المناطق الأكثر تضرراً هذه المراكز لم تكن مجرد غرف ومعدات بل صارت ملاذاً لأم حامل لم تجد من يطمئنها ولمسن لم يعد يقوى على السفر بحثاً عن دواء ولطفل ارتفعت حرارته فجأة في ليلة مظلمة بتجهيز هذه المراكز وتشغيلها نجح الفرع في تقريب الخدمة من المواطن وتخفيف الضغط عن مستشفيات المدينة التي تعمل فوق طاقتها صار العلاج أقرب وصار الأمل أقرب معه.

ما يميز تجربة الهلال الأحمر بشمال كردفان هو أن العمل لا يُدار من المكاتب. فالمدير التنفيذي لفرع جمعية الهلال الاحمرشمال كردفان  الأستاذ حذيفة فضل السيد حاضر في الميدان قبل أن يكون على الورق يعرف أسماء المتطوعين يسمع شكوى الأهالي بنفسه ويتابع مراحل التنفيذ حتى آخر مسمار في مركز صحي أو آخر أنبوب في شبكة مياه. هذا الحضور خلق حالة من الانضباط والمسؤولية وجعل من الفرع فريقاً واحداً يعمل بروح واحدة وقد أشاد به شركاء العمل الإنساني والجهات الرسمية لما أبداه من مرونة وسرعة في الاستجابة ولقدرته على تحويل التحديات إلى فرص للعطاء
المتطوعون هم العمود الفقري لكل هذا الجهد شباب وشابات تركوا أعمالهم ومصالحهم ليقفوا في طوابير التوزيع ليشرحوا للأمهات كيف يغسلن أيديهن ليحملوا المرضى على أكتافهم حين تتعذر السيارة لا ينتظرون شكراً، ويكتفون بنظرة رضا من عجوز أو ضحكة طفل استعاد عافيته هم يذكروننا أن الإنسانية لا تحتاج إلى رأس مال كبير بل إلى قلب لا يعرف القسوة.

فاصلة
في النهاية لا يقاس عطاء جمعية الهلال الأحمر بشمال كردفان بعدد السلال  بل بابتسامة أم اطمأنت على طعام أطفالها وبطفل شرب ماءً نظيفاً دون أن يمرض وبمريض وجد من يعالجه دون أن يقطع مسافات طويلة العمل الإنساني هنا لا يحتاج إلى خطب رنانة فهو يحدث كل يوم بصمت في خيمة نازح وفي مركز صحي مكتظ وفي قلب متطوع قرر أن يكون سنداً لغيره ولعل أجمل ما في هذا العطاء أنه يذكرنا جميعاً بأن الإنسان مهما ضاقت به السبل، يبقى قادراً على أن يجد يداً تمتد إليه وقلباً يشعر به
اللهم أمنا في أوطاننا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى