من فقر الصين إلى نهضة السودان الممكنة: دروس عملية موضوعية (1 من 10): كيف كانت الصين قبل النهضة؟
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

ليست نهضة الصين حكايةً عابرةً عن بلدٍ فقيرٍ أصبح غنيًا، ولا قصةً جاهزةً تصلح للمديح الساذج أو النقل الحرفي، بل هي تجربة تاريخية كبرى ينبغي أن تُقرأ بهدوء وتدبّر؛ لأنها تكشف كيف يمكن لأمةٍ مثقلةٍ بالفقر والكثافة السكانية والاضطراب وضعف الإنتاج أن تتحول، خلال عقود، إلى قوة صناعية وتجارية وتقنية كبرى. غير أن أول بابٍ صحيح لفهم هذه التجربة ليس أن نبدأ من الصين الحديثة بمدنها العالية، وقطاراتها السريعة، وموانئها الضخمة، ومصانعها المنتشرة في سلاسل التجارة العالمية، بل أن نعود إلى الصين قبل النهضة، حين كانت بلدًا واسعًا وفقيرًا، كبير العدد قليل الدخل، عريق الحضارة، لكنه متأخر في أدوات العصر.
والإنصاف يقتضي منذ البداية ألا نصور الصين قبل إصلاحاتها كأنها كانت عدمًا كاملًا؛ فقد كانت لها دولة مركزية، وتجارب في التعليم والصحة الأساسية، وبعض الصناعات الثقيلة، ومحاولات لبناء القدرة الوطنية بعد عقود من التفكك والحروب. لكن هذه العناصر، على أهميتها، لم تكن كافية وحدها لإطلاق نهضة اقتصادية واسعة؛ لأن الاقتصاد ظل محدود الإنتاجية، شديد المركزية، ضعيف الحوافز، قليل الاندماج بالأسواق العالمية، غير قادر بعدُ على تحويل كثرة السكان واتساع الأرض إلى قوة إنتاجية حديثة.
كانت الصين، قبل تحولها الاقتصادي الحديث، دولةً ضخمةً في حجمها وسكانها، لكنها لم تكن ضخمةً في دخلها ولا إنتاجيتها ولا قدرتها الصناعية. كان الإنسان الصيني العادي يعيش غالبًا في الريف، معتمدًا على زراعة تقليدية محدودة العائد، تعمل بجهدٍ كبير وإنتاجٍ قليل، وتخضع لنظمٍ جماعية وإدارية لا تمنح الفرد حافزًا كافيًا ليضاعف إنتاجه أو يراكم دخله. وكانت الكثافة السكانية الهائلة، التي نراها اليوم مصدر قوة في سوق العمل والإنتاج والاستهلاك، تبدو يومها عبئًا ثقيلًا على الغذاء والخدمات وفرص العمل.
لم تكن مشكلة الصين أنها لا تملك بشرًا، بل كانت مشكلتها أنها لم تكن قد نجحت بعد في تحويل البشر إلى طاقة إنتاجية منظمة. ولم تكن مشكلتها أنها بلا أرض أو تاريخ أو حضارة، بل أن تلك المقومات لم تكن مربوطةً بنظام اقتصادي حديث، ولا ببنية تحتية كافية، ولا بصناعة واسعة، ولا بتجارة عالمية منفتحة. كانت الصين كمن يملك جسدًا ضخمًا، لكن الدورة الدموية فيه ضعيفة؛ أرض واسعة، وسكان كثيرون، وتاريخ عميق، لكن الطرق والموانئ والكهرباء والصناعة والتعليم والإدارة لم تكن قد صارت بعد شبكةً وطنيةً متكاملةً تصنع القوة.
وفي منتصف القرن العشرين، خرجت الصين من سلسلة طويلة من الاضطرابات والحروب والانقسامات والتدخلات الأجنبية والصراعات الداخلية. ثم قامت جمهورية الصين الشعبية سنة 1949م، فبدأت مرحلة بناء الدولة المركزية، لكنها لم تدخل فورًا في مسار الازدهار الذي نراه اليوم. فقد اختارت في مراحل طويلة نظامًا اقتصاديًا شديد المركزية، يقوم على التخطيط الحكومي الواسع، والملكية العامة، والتعبئة الجماعية، وتقليل مساحة السوق والحافز الفردي. وهذا النظام ساعد في تثبيت الدولة وتوحيد السلطة بعد فوضى طويلة، لكنه لم يكن كافيًا لإطلاق طاقة الإنتاج، ولا لخلق اقتصاد مرن قادر على المنافسة والتطور.
وكانت الزراعة، وهي عصب حياة أغلبية السكان، تعاني من ضعف الحوافز. فحين يعمل الفلاح في نظامٍ لا يرى فيه أثر جهده مباشرة على دخله وأسرته، فإن الطاقة الكامنة في داخله تضعف. وإذا كان الناتج موزعًا بطريقة جماعية جامدة، فإن المجتهد والكسول يقتربان في العائد، فتضعف الرغبة في الزيادة والتحسين. ومن هنا كانت الصين، رغم سعتها وكثرة فلاحيها، تعاني ضعف الإنتاجية الزراعية، وتكرار أزمات الغذاء، وقلة الفائض الذي يمكن أن يساند الصناعة والمدينة.
أما الصناعة فكانت موجودة، لكنها لم تكن بعد صناعةً تصديرية واسعة قادرة على اختراق الأسواق العالمية. كانت موجهة بدرجة كبيرة من الدولة، ومحدودة الارتباط بسلاسل الإنتاج الدولية. لم تكن الصين بعد “مصنع العالم”، ولم تكن موانئها ومناطقها الصناعية ومدنها الساحلية قد تحولت إلى محركات كبرى للتصدير. كانت الصناعة قائمة في بعض القطاعات، لكنها لم تكن قد أخذت طابع الانفجار الإنتاجي الواسع، ولم تكن قد استوعبت مئات الملايين من العمال في حركة تصنيع وتصدير وتعلّم تقني متراكم.
وكانت البنية التحتية دون مستوى بلدٍ بهذا الحجم والطموح. فلا نهضة بلا طرق تربط الريف بالمدينة، ولا تصنيع بلا كهرباء مستقرة، ولا صادرات بلا موانئ فعالة، ولا سوق داخلية بلا نقل واتصال، ولا استثمار بلا مناطق منظمة وخدمات واضحة. والصين قبل التحول الكبير كانت تفتقر إلى الشبكة الحديثة الكثيفة التي تربط الموارد بالإنتاج، والإنتاج بالأسواق، والأسواق بالموانئ، والموانئ بالعالم. والاقتصاد إذا لم تتصل أجزاؤه يبقى كالجزر المتفرقة؛ ينتج هنا قليلًا، ويحتاج هناك كثيرًا، لكنه لا يعرف كيف ينقل القيمة من موضع الوفرة إلى موضع الطلب.
ولم تكن عزلة الصين النسبية عن العالم أمرًا بسيطًا. فالعالم بعد الحرب العالمية الثانية كان يدخل في موجةٍ واسعة من التصنيع والتجارة والتقنية والأسواق العالمية، بينما بقيت الصين، في مراحل طويلة، محدودة الاندماج بهذا المسار. والعزلة قد تحمي أحيانًا من بعض المخاطر، لكنها إذا طالت من غير قدرة داخلية كافية، تحرم الاقتصاد من التكنولوجيا، ورأس المال، والخبرة، والأسواق، ومعايير الجودة، وضغط المنافسة الذي يدفع المنتج إلى التحسن.
وكان دخل الفرد منخفضًا، ومستوى المعيشة ضعيفًا، والفقر واسعًا. والمهم هنا أن نفهم أن الفقر لم يكن مجرد نقص مال في يد المواطن، بل كان نتيجة شبكة كاملة من الضعف: ضعف الإنتاجية، وضعف الحوافز، وضعف البنية التحتية، وضعف الصناعة التصديرية، وضعف الانفتاح، وضعف القدرة على تحويل الموارد البشرية والطبيعية إلى دخل حقيقي. فالفقر في حياة الأمم لا يكون دائمًا بسبب انعدام الموارد، بل كثيرًا ما يكون بسبب انعدام النظام الذي يحول الموارد إلى قيمة.
وهنا تبدأ العبرة الكبرى للسودان وغيره من الدول النامية. فالصين لم تكن في بدايتها الحديثة بلدًا غنيًا بالمعنى السهل. لم تكن تملك ثروة نفطية هائلة، ولم تكن قليلة السكان حتى يسهل إطعامها وتشغيلها، ولم تكن خارجة من تاريخ مستقر مريح، بل كانت مثقلة بالسكان والفقر والاضطراب وضعف البنية. ومع ذلك، كان داخل هذا الواقع الصعب سرٌ عظيم: عدد هائل من البشر قابلين للعمل، وأرض واسعة، ودولة تبحث عن طريق، وحاجة ضاغطة إلى الخروج من الفقر. وحين اجتمعت الحاجة بالإصلاح، وتحول الإنسان من عبء إلى منتج، بدأ الباب ينفتح.
لكن قبل أن ينفتح الباب، كان لا بد أن تعترف الصين عمليًا بأن الخلل ليس في الإنسان الصيني، بل في النظام الذي لا يطلق طاقته. وهذه نقطة جوهرية في كل نهضة. فالأمم المتخلفة كثيرًا ما تظلم شعوبها حين تصفهم بالكسل أو العجز، بينما المشكلة في الغالب أن المواطن موضوع داخل نظام يقتل الدافع، ويعاقب المنتج، ويكافئ المتحايل، ويجعل الطريق إلى العمل أصعب من الطريق إلى الركود. فإذا تغيّر النظام، ظهر معدن الناس.
وهذا ما حدث لاحقًا في الصين. الفلاح نفسه الذي كان إنتاجه ضعيفًا صار أكثر إنتاجًا حين رأى أثر جهده. والعامل نفسه صار أكثر انضباطًا حين دخل المصنع المرتبط بالسوق. والمدينة نفسها صارت جاذبة حين تحولت إلى منطقة إنتاج وتصدير. والموقع الساحلي نفسه صار مصدر قوة حين انفتح على التجارة. أي أن الموارد كانت موجودة بدرجات مختلفة، لكن ترتيبها وحوافزها وبيئتها تغيرت.
لذلك ينبغي ألا نقرأ فقر الصين القديم على أنه حالة عجز نهائي، بل على أنه طاقة معطلة. كانت الصين فقيرة، لكنها لم تكن بلا إمكانات. كانت متخلفة في أدوات الاقتصاد الحديث، لكنها لم تكن بلا شعب ولا أرض ولا قابلية للنهوض. كانت مغلقة نسبيًا، لكنها قريبة من أسواق كبرى ومحيط آسيوي نشط. كانت ضعيفة الإنتاجية، لكنها تملك ملايين الأيدي التي يمكن تدريبها وتحريكها. كانت تعاني نقص البنية التحتية، لكن بناء هذه البنية يمكن أن يصبح نفسه مصدرًا للتشغيل والنمو. وهذا هو الفرق بين أمة ترى مشكلاتها قدرًا، وأمة تراها مادةً للإصلاح.
ومن هنا تأتي صلة السودان بهذه السلسلة. فالسودان اليوم، رغم اختلاف الظروف والتاريخ والنظام السياسي وحجم السكان والسوق، يشترك مع الصين القديمة في معنى مهم: أنه ليس فقيرًا في جوهر موارده، بل فقير في تنظيمها وإدارتها وتحويلها إلى قيمة. يملك أرضًا زراعية واسعة، ومياهًا، وثروة حيوانية، وذهبًا، وصمغًا عربيًا، وموقعًا على البحر الأحمر، وطاقة شمسية، وشبابًا، وامتدادًا بشريًا في الخارج، لكنه يعاني ضعف الدولة، والحرب، والتهريب، والجبايات، واضطراب العملة، وضعف التصنيع، وتفكك البنية الإنتاجية، وغياب الرؤية الجامعة.
ولذلك فالسؤال ليس: هل يملك السودان ما يبدأ به؟ بل: هل يملك النظام والرؤية والإرادة التي تحوّل ما لديه إلى نهضة؟ فالصين قبل الإصلاح لم تكن تملك وصفة سحرية، لكنها امتلكت لاحقًا شجاعة التجريب، وبدأت من المنتج الحقيقي، ثم وسعت النجاح. والسودان لا يحتاج أن ينتظر حتى يصبح مستقرًا بالكامل وغنيًا بالكامل ومنظمًا بالكامل ليبدأ؛ بل يبدأ بما يستطيع، في المواضع الممكنة، وبمشروعات نموذجية، وبسياسات تحرر الإنتاج، وتغلق أبواب الفوضى والفساد والتهريب.
إن أهم درس في هذه الحلقة الأولى أن النهضة لا تبدأ من الغنى، بل تبدأ من التشخيص الصحيح للفقر. فالصين لم تنهض لأنها كانت غنية، بل لأنها أدركت أن الفقر لا يُعالج بالشعارات، وأن الإنسان لا ينتج بلا حافز، وأن الدولة لا تنجح بمجرد السيطرة، وأن السوق لا يتحرك بلا انفتاح، وأن البنية التحتية لا تبنى للزينة، وأن الصناعة لا تكبر بلا تصدير وتعلم ومنافسة. لذلك كان الاعتراف العملي بالخلل هو أول طريق الإصلاح.
والسودان محتاج إلى هذا الاعتراف نفسه. ليس كافيًا أن نقول إن السودان غني بالموارد، فهذه عبارة تكررت حتى فقدت أثرها. السؤال الحاسم هو: لماذا بقي غني الموارد فقير النتائج؟ لماذا يخرج الذهب ولا يبني دولة؟ لماذا تُباع الماشية خامًا ولا تقوم حولها صناعة لحوم وجلود وألبان؟ لماذا يخرج الصمغ العربي خامًا ولا تتحول قيمته إلى مصانع ومختبرات وتصدير منظم؟ لماذا يظل المزارع ضعيفًا وهو يعمل في بلدٍ زراعي؟ لماذا يكون الموقع على البحر الأحمر ولا يتحول إلى اقتصاد موانئ وعبور وخدمات؟ ولماذا يظل المواطن منتجًا محتملًا، لا منتجًا فعليًا داخل منظومة منظمة؟
هذه الأسئلة هي بداية النهضة. فكما كانت الصين قبل الإصلاح بلدًا عظيم الإمكانات ضعيف النتائج، فإن السودان اليوم لا يحتاج إلى أوهام، بل إلى مواجهة صريحة: موارد بلا تنظيم لا تصنع نهضة، وسكان بلا تدريب لا يصنعون إنتاجية، وأرض بلا بنية تحتية لا تصنع صادرات، وذهب بلا نظام لا يصنع دولة، وسعر صرف بلا شفافية لا يصنع ثقة، واستثمار بلا حرية قانونية في دخول الأموال وخروجها لا يجذب إلا المغامرين وأصحاب الطرق الخفية.
ومن هنا ستأتي الحلقات التالية. سنرى كيف بدأت الصين من الريف، وكيف حررت طاقة الفلاح، وكيف أنشأت مناطق اقتصادية خاصة، وكيف صنعت للتصدير، وكيف بنت البنية التحتية من موارد داخلية وخارجية منظمة، وكيف استخدمت الدولة دون أن تقتل السوق، وكيف أخطأت أيضًا في الديون والعقار والبيئة والتفاوت، ثم نعود إلى السودان لنستخرج الدرس العملي: لا نسخة من الصين، ولا استسلام للواقع، بل نموذج سوداني خاص، يبدأ من الموارد الحقيقية، ويفتح الاقتصاد المنتج، ويحمي حقوق المستثمر، ويرقمن الدولة، ويوحد سعر الصرف بشفافية، ويمنع الفوضى دون أن يخنق الحرية.
كانت الصين فقيرةً لأنها لم تكن قد وجدت بعد النظام الذي يطلق طاقتها. ونهضت حين تحولت من بلدٍ يملك بشرًا كثيرين وموارد معطلة إلى بلدٍ ينظم العمل، ويكافئ الإنتاج، ويفتح الأسواق، ويبني البنية التحتية، ويتعلم من التجربة. وهذا هو الدرس الأول للسودان: ليست المشكلة في قلة الإمكانات وحدها، بل في غياب النظام الذي يحول الإمكانات إلى قوة. فإذا بدأنا من هذا الفهم، صار الحديث عن النهضة حديثًا عمليًا لا إنشائيًا، وصار النظر إلى الصين لا بحثًا عن نسخة مستوردة، بل بحثًا عن منطقٍ يساعد السودان على اكتشاف طريقه الخاص.





