مقالات

لن ينهض السودان وسعر الصرف في الظلام

بهدوءٍ وتدبّر| محمد عثمان الشيخ النبوي

من أعجب ما يعيشه السودان اليوم أن سعر الصرف الرسمي يُعلن إداريًا بتوجيهٍ من البنك المركزي، بينما السعر الحقيقي الذي يتحرك به الناس، وتُحسب به التكاليف، وتُدار به الصادرات والواردات، وتُقاس به قيمة المال في الواقع، هو سعر السوق الموازي. وبذلك صار في البلاد سعرٌ معلن لا يعبّر عن الواقع، وسعرٌ واقعي لا تعترف به الدولة اعترافًا صريحًا، مع أن الجميع يرجع إليه عمليًا، من المواطن العادي إلى التاجر، ومن صاحب الحاجة الصغيرة إلى أعلى مستويات المسؤولية.

فأي مواطن يملك عملة أجنبية ويريد بيعها، لا يجد في السعر الرسمي ما يغريه بالذهاب إلى البنك؛ لأنه يعلم أن الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي كبير. وأي مواطن يريد شراء عملة أجنبية لغرض علاج، أو دراسة، أو سفر، أو تجارة، أو التزام خارجي، إذا ذهب إلى الطريق الرسمي قيل له غالبًا إن العملة غير متاحة، فيضطر إلى السوق الموازي، لا حبًا فيه، ولا رغبةً في مخالفة النظام، ولكن لأن النظام الرسمي نفسه لا يلبّي حاجته.

والأمر لا يقف عند المواطن، بل يمتد إلى المصدرين والتجار والمنتجين. فالمصدر الذي يبيع سلعة إلى الخارج ويأتي بحصيلة صادره يعلم، وتعلم الدولة كذلك، أن تكاليف إنتاجه ونقله وتمويله وتعبئته ورسومه ومخاطره محسوبة في الواقع بسعر السوق الموازي، لا بالسعر الإداري المعلن. فإذا ألزمته الدولة بأن يبيع حصيلته الأجنبية بالسعر الرسمي البعيد عن الواقع، فقد حكمت عليه بالخسارة، وحكمت على الصادرات بالانكماش، بل بالتوقف.

ولهذا تجد الدولة نفسها تتلوّى بين السياسات الجزئية والحلول الملتوية. مرةً تسمح بما يسمى التجنيب، ومرةً تسمح للمصدر باستيراد سلع محددة بحصيلة صادره، ومرةً تدفعه للبحث عن مستوردين يشترون منه حصيلته بما يقارب سعر السوق الموازي، ومرةً تفتح استثناءات، ثم تعود إلى القيود. وكل ذلك لا يصنع سياسة مستقرة، ولا يحقق مصلحة واضحة للدولة، ولا للمصدر، ولا للمواطن، بل يفتح أبواب التعقيد، والتأخير، والابتزاز، والتعطيل، ويجعل النشاط الاقتصادي كله يدور حول التحايل على سعرٍ معلن لا يصدقه الواقع.

والنتيجة أن الدولة، من حيث تريد السيطرة، تتنازل عمليًا للسوق الموازي. فهي لا تلغيه، ولا تهزمه، ولا تقدم بديلًا حقيقيًا عنه، بل تتركه يعمل في الظلام، ثم تجعل الناس مضطرين إليه، وفي كثير من الأحوال تجد الدولة نفسها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، خاضعة لضغط واقعٍ صنعته أو عجزت عن إصلاحه. وهكذا يصبح السوق الموازي هو المرجع الفعلي، بينما تتحمل الدولة خسارة الرسوم، وخسارة الشفافية، وخسارة الثقة، وخسارة تدفق الأموال عبر القنوات الرسمية.

والحل البديهي ليس غامضًا ولا معقدًا. الحل هو تحرير سعر الصرف تحريرًا واضحًا، مع فتح الباب للبنوك والصرافات الخاصة المرخصة، وإنشاء منصة مركزية شفافة تُعلن على مدار الساعة أسعار البيع والشراء في جميع البنوك والصرافات الرسمية، بحيث يرى المواطن والمستثمر والمغترب والمصدر والمستورد السعر الحقيقي أمامه، ويختار الجهة الأنسب للتعامل معها، في النور، وبالقانون، وبالرقابة، لا في الظلام، والخوف، والهمس، والابتزاز.

وينبغي أن تُقال هذه الحقيقة بأبسط عبارة حتى لا يختلط الأمر على أحد: التحرير عبر منصة شفافة لا يعني أن الدولة جاءت بسوق جديد من العدم، ولا أنها اخترعت سعرًا لم يكن موجودًا، ولا أنها سلّمت رقبة العملة للفوضى. الذي يحدث في الحقيقة أبسط من ذلك بكثير: هناك سوق قائم الآن، والناس يتعاملون فيه فعلًا، والدولة تعرفه، والمواطن يعرفه، والتاجر يعرفه، والمصدر يعرفه، والمستورد يعرفه. لكنه سوق يعمل في الظلام، بلا شفافية كافية، وبلا حماية كافية، وبلا رسوم تدخل خزينة الدولة، وبلا بيانات واضحة، وبلا اطمئنان للناس.

فالتحرير لا يفعل أكثر من نقل هذا النشاط نفسه من الظلام إلى النور، ومن التعقيد إلى التيسير، ومن الخوف إلى الأمان، ومن منفعة السماسرة وأباطرة السوق الموازي إلى منفعة الدولة والمواطن والبلاد. وبدل أن يذهب المواطن خائفًا إلى وسيط مجهول، يذهب إلى بنك أو صرافة مرخصة. وبدل أن تربح الشبكات الطفيلية من حاجة الناس، تدخل الرسوم والعمولات والبيانات في الدورة الرسمية. وبدل أن يكون السعر سرًا متداولًا بين السماسرة، يصبح معلنًا أمام الجميع. وبدل أن يُبتز المواطن الضعيف لأنه لا يعرف أين يبيع أو يشتري، يرى أمامه الأسعار المختلفة ويختار بنفسه. وبدل أن تضيع على الدولة حركة ضخمة من الأموال خارج النظام، تدخل هذه الحركة في النور، وتصبح تحت عين الدولة، لا تحت يد السوق الأسود.

هذه المنصة لا تعني أن الدولة تتحكم في السعر إداريًا، بل تعني أنها تنظم السوق وتكشفه. والفرق كبير بين التنظيم والتحكم. فالتنظيم يمنع الاحتكار، ويمنع الغش، ويكشف الأسعار، ويحمي المتعاملين، ويوسع القنوات الرسمية. أما التحكم الإداري في سعر لا تستطيع الدولة الدفاع عنه، فهو لا يحمي العملة الوطنية، بل يطرد الناس من السوق الرسمي إلى السوق الموازي. وكل ذلك لا يعني ترك السوق بلا ضوابط، بل يعني أن تكون الضوابط لحماية التعامل، ومنع الغش والاحتكار والتلاعب والممارسات المالية الضارة، لا لخنق السعر أو فرض رقم لا يصدقه الواقع.

بل إن نقل تداول العملات من السوق الموازي والظلام إلى السوق المعلن في النور سيجعل روح المنافسة أوضح وأيسر وأوسع؛ لأن البنوك والصرافات المرخصة ستتنافس أمام الناس بأسعار معلنة، لا عبر شبكات خفية متعددة من السماسرة والوسطاء. وهذا من شأنه أن يخفف، بقدر اتساع العرض وعودة التعامل إلى القنوات الرسمية، من حدة اندفاع العملة الوطنية إلى الانخفاض، ويتيح توافر العملات الأجنبية بصورة أوسع وأكثر انتظامًا؛ لأن الناس حين يجدون سعرًا حقيقيًا وقنوات سهلة وآمنة، سيبيعون ويشترون عبر الطريق الرسمي بدل أن يهربوا إلى السوق الموازي.

ومن فوائد هذا التحرير أن حركة التداول الواسعة ستعود إلى البنوك والصرافات الرسمية، فتستفيد الدولة من الرسوم المشروعة والبيانات والرقابة، بدل أن تذهب الفوائد كلها إلى نشاط طفيلي يعمل خارج الدائرة الرسمية. كما أن المواطن سيجد طريقًا واضحًا للبيع والشراء، والمغترب سيعرف أين يحوّل أمواله بسعر حقيقي، والمصدر سيطمئن إلى أن حصيلته لن تُنتزع منه بسعر مصطنع، والمستورد سيخطط على أساس معلوم، لا على أساس انتظار الاستثناءات والوساطات.

والأهم من ذلك أن الفئات الضعيفة، التي لا تعرف طرق السوق الموازي ولا تملك شبكات التجار والسماسرة، ستجد حماية حقيقية. فالمواطن البسيط حين يحتاج إلى عملة لغرض ضروري لا ينبغي أن يُترك تحت رحمة السماسرة، ولا أن يدخل سوقًا معقدًا لا يعرف أمانته من خداعه، ولا سعره العادل من سعره المستغل. المنصة الشفافة تجعل التعامل معلومًا، وتقلل الخوف، وتمنع الابتزاز، وتحوّل العملة من سلعة سرية متوترة إلى خدمة مالية واضحة.

وفوق كل ذلك، فإن تحرير سعر الصرف على هذا النحو يكسر واحدًا من أكبر الحواجز أمام تدفق الأموال واندياح الاستثمار؛ فالمستثمر الجاد لا يبني قراره على همس السوق، ولا على أخبار السماسرة، ولا على سعرٍ يتغير في الخفاء، ولا على إجراءات لا يدري أتبقى غدًا أم تتبدل. إنه يحتاج إلى سعر معلن، وقانون واضح، وقناة رسمية، وإمكانية آمنة وشفافة لدخول الأموال وخروجها في النور. فإذا لم يجد ذلك، فلن يأتي أصلًا، ولن يغامر بالدخول إلا بعض الباحثين عن فرص محدودة في مجالات هامشية لا تصنع نهضة، ولا تبني اقتصادًا، ولا تحمل مشروعات كبرى طويلة الأجل. أما الاستثمارات الكبرى، والمشروعات العظمى، وطرائق التمويل العالمية المثلى، فلن تلج بلدًا أصلًا ما لم تعلم وترَ عيانًا أن تحويل الأموال فيه يتم تلقائيًا عبر قنوات رسمية واضحة، وبسعر صرف حر شفاف، لا بسعر إداري معزول عن الواقع، ولا عبر سوق موازٍ يعمل في الظلام. فإذا وُجد سعر حر معلن وشفاف، وقنوات مصرفية واضحة، وإمكانية منظمة وواضحة لتحويل الأموال عبر القنوات الرسمية، وفق القانون والضوابط المصرفية المعروفة، انفتح الباب أمام أدوات تمويل كبرى، مثل مشروعات البناء والتشغيل والتحويل المعروفة بـ BOT، والشراكات الإنتاجية، وتمويل البنية التحتية، والاستثمار في الطاقة، والزراعة، والصناعة، والخدمات. فلا يمكن أن تطلب من العالم أن يمول مشروعات طويلة الأجل في بلد لا يرى فيه سعر المال بوضوح، ولا يعرف فيه كيف يدخل رأس المال وكيف يخرج.

والسؤال المباشر هو: ما الذي يمنع الدولة من اتخاذ هذا القرار الواضح؟
يقال إن تحرير سعر الصرف سيرفع أسعار العملات الأجنبية ويخفض قيمة العملة الوطنية. وهذه حجة تبدو في ظاهرها حريصة، لكنها في حقيقتها تخالف الواقع؛ لأن السعر المرتفع موجود أصلًا في السوق الموازي، والناس يتعاملون به فعلًا. فالتحرير لا يخلق السعر من العدم، وإنما ينقل السعر القائم من الظلام إلى النور، ومن الفوضى إلى التنظيم، ومن يد السمسار إلى يد البنك والصرافة المرخصة.

أما السعر الإداري، فهو في حقيقته لا يوقف السوق الموازي، بل يدفع الدولة أحيانًا إلى ملاحقته من حيث لا تشعر. فكلما أرادت الدولة أن تنافس السوق الموازي برفع سعر شراء العملات الأجنبية في القنوات الرسمية، تجاوزها السوق الموازي بدفع سعر أعلى، فيتحول الأمر إلى سباقٍ خاسر بين سعرٍ إداري وسعرٍ موازٍ؛ وكلما دخلت الدولة هذا السباق، أسهمت عمليًا في رفع أسعار العملات الأجنبية وخفض قيمة العملة الوطنية، وقد حدث ذلك مرارًا من قبل، وكان يمكن تجنبه لأنه من البدهيات الظاهرة. أما التحرير عبر المنصة الشفافة، فليس فيه سباق بين سعر إداري وسعر موازٍ، بل هو إنهاء لهذا الازدواج أصلًا؛ إذ يجعل السعر الواقعي معلنًا في النور، فتجني الدولة والشعب فوائد إعلانه وتنظيمه، ويتجاوزان أضرار استتاره وفوضاه.

وقد يقال أيضًا إن تحرير سعر الصرف قد يرفع الأسعار، أو يفتح باب المضاربة، أو يضر المواطن، أو يحتاج أولًا إلى احتياطي نقدي وإصلاح مصرفي وإنتاج واسع. غير أن هذه الاعتراضات، عند التأمل، ليست حجةً على التحرير، بل حجةٌ على استمرار التقييد؛ لأن تقييد سعر العملة هو الذي رسّخ السوق الموازي، ووسّع المضاربة، وطرد التعامل من القنوات الرسمية، وأضعف الصادرات، وأبعد التحويلات، وحرم الدولة من الرسوم والبيانات والثقة. فالغلاء واقع أصلًا، والمضاربة قائمة أصلًا، والمواطن يدفع الثمن أصلًا، والسوق الموازي يعمل أصلًا؛ والتحرير الشفاف لا ينشئ هذه الأزمات، بل ينقلها من الظلام الذي تستفحل فيه إلى النور الذي يمكن ضبطها فيه.

فالمطلوب ليس تحريرًا أعمى بلا ضوابط، ولا تحريرًا منفصلًا عن إصلاح الصادر والجمارك والمصارف وتسهيل الإجراءات، بل تحرير معلن وشفاف، عبر بنوك وصرافات مرخصة، ومنصة مركزية، ورقابة تمنع الاحتكار والتلاعب، وتسهيلات للصادرات والتحويلات والاستثمار؛ حتى يُهدم أساس السوق الموازي بدل أن يُدار الاقتصاد كله تحت رحمته.

بل إن بقاء السعر الرسمي بعيدًا عن الواقع هو الذي يغذي السوق الموازي ويمنحه القوة. أما حين تتوفر قنوات رسمية سهلة وسريعة وشفافة، فإن سبب اللجوء إلى السوق الموازي يضعف أو يزول. فالسوق الموازي لا يعيش لأنه أقوى من الدولة بطبيعته، بل لأنه يملأ فراغًا تركته الدولة بسياساتها المقيدة. فإذا أُغلق هذا الفراغ، وسُمح للبنوك والصرافات بالعمل بسعر واقعي معلن، فقد السوق الموازي أهم أسباب بقائه.

ويقال كذلك إن الدولة لا تملك احتياطيًا نقديًا كافيًا لتوازن به سعر الصرف. وهذه حجة أخرى تدحض نفسها بنفسها؛ لأن الاحتياطي لا يأتي قبل الحركة الاقتصادية، بل يأتي بعدها. لا يمكن لدولة أن تخنق الصادر، وتطرد التحويلات إلى السوق الموازي، وتربك المستثمر، وتخيف المنتج، ثم تسأل: أين الاحتياطي؟ الاحتياطي لا ينبت في الخزائن المغلقة، وإنما يتكوّن من إنتاجٍ واسع، وصادراتٍ متزايدة، وتحويلاتٍ داخلة، واستثمارٍ مطمئن، وسوقٍ رسميٍّ يثق الناس في التعامل معه.

ولهذا فإن التحرير المعلن قانونيًا، بترتيب فني واضح، عبر منصة شفافة وبنوك وصرافات مرخصة، هو الطريق العملي لبناء الاحتياطي نفسه. فحين يعرف المصدر أنه سيحصل على قيمة حصيلته بسعر حقيقي، ينشط في التصدير. وحين يعرف المغترب أن تحويله سيصل بسعر عادل، يترك القنوات الملتوية ويعود إلى القنوات الرسمية. وحين يعرف المستثمر أن المال يدخل ويخرج بوضوح، يدخل السوق ولا يخاف. وحين تتحرك التجارة والإنتاج والعمل، تتسع موارد الدولة، وتزيد الصادرات، وتدخل العملات الأجنبية، وعندها فقط يبدأ الاحتياطي النقدي في التكوّن على أساس حقيقي.

أما أن نطلب احتياطيًا نقديًا قبل التحرير، فهذا يشبه من يطلب الثمرة قبل غرس الشجرة. فالاحتياطي ثمرة من ثمار الاقتصاد الحي، لا مقدمة تأتي من الفراغ. وإذا أرادت الدولة احتياطيًا، فعليها أن تفتح أبواب الإنتاج والتصدير والتحويل والاستثمار، لا أن تبقي هذه الأبواب نصف مغلقة ثم تشكو من قلة الداخل.

وحين تمتلك الدولة احتياطيًا معتبرًا، وتتوسع الصادرات، ويقوى الإنتاج، وتقل العطالة، وتتوفر فرص العمل، لا يعود سعر العملة هاجسًا مركزيًا مخيفًا كما هو الآن، بل يصبح واحدًا من أدوات السياسة الاقتصادية التي تُدار وفق المصلحة الكلية. عندها تستطيع الدولة، إذا رأت مصلحة في رفع قيمة العملة الوطنية، أن تتدخل بضخ النقد الأجنبي أو بإجراءات مدروسة تدعم الجنيه. وإذا رأت، في ظرف معين، أن تخفيضًا محسوبًا لقيمة العملة يخدم الصادرات ويقوي المنافسة الخارجية، فعلت ذلك ضمن سياسة معلنة ومدروسة، لا عبر فوضى السوق الأسود ولا عبر أوهام السعر الإداري.

فالفرق كبير بين دولة فقيرة في الاحتياطي تحاول تثبيت سعر لا تقدر عليه، ودولة منتجة ذات احتياطي وحركة صادرات واسعة تؤثر في سعر عملتها بأدوات معلومة، وبقدر ما تملكه من احتياطي وإنتاج وثقة في السوق. الأولى تطارد السوق ولا تلحقه، والثانية تقود السوق وتوجهه. الأولى تجعل سعر الصرف عقدة يومية تخنق المواطن والتاجر والمصدر، والثانية تجعله أداة من أدوات إدارة الاقتصاد. وهذا لا يتحقق بالتمنيات، بل بتحرير السوق، وإدخال الأموال إلى النور، وتوسيع الإنتاج، وتسهيل الصادرات، وبناء الثقة.

إن الدولة التي لا تملك احتياطيًا كافيًا لا ينبغي أن تزيد المشكلة بتثبيت سعر لا تستطيع الدفاع عنه. فإذا كان لديها احتياطي قوي، جاز لها أن تتدخل في سوق مرن مدار بضخ العملات أو امتصاصها وفق سياسة نقدية واضحة. أما إذا لم تكن تملك هذا الاحتياطي، فالأولى أن تترك السعر يتحرك وفق العرض والطلب في سوق رسمي شفاف، لا أن تترك العرض والطلب يعملان في السوق الموازي وحده، ثم تتظاهر بأن السعر الإداري هو الحقيقة.
إن تحرير سعر الصرف ليس دعوة إلى الفوضى، بل دعوة إلى نقل الواقع من الفوضى إلى النظام. وليس إلغاءً لدور الدولة، بل إعادةٌ صحيحة لهذا الدور؛ فالدولة لا ينبغي أن تكون بائعة وهمٍ بسعر إداري، وإنما منظِّمة لسوق واضح، وحامية للمواطن، ومراقبة للاحتكار، وجامعة للبيانات، ومستفيدة من الرسوم، وميسّرة لحركة المال والتجارة والإنتاج.

وحين يتحرر سعر الصرف عبر منصة مركزية شفافة، وتُمنح التراخيص للصرافات والبنوك، وتُراقب حركة التداول دون خنقها، فإن الاقتصاد كله يبدأ في التنفس. الصادرات تتحسن، والتحويلات تعود، والمستثمر يجد طريقًا معلومًا، والمواطن يتعامل في النور، والدولة تكسب الثقة والرسوم والبيانات، والسوق الموازي يفقد أكثر مبررات وجوده، وينكمش كلما اتسعت القنوات الرسمية، وسهل التعامل عبرها، وانتهى التحكم الإداري في تقييد السعر أو فرضه بعيدًا عن الواقع.

إن أثر تحرير سعر الصرف، على الوجه الذي شرحناه، ليس أمرًا هينًا ولا تفصيلًا ماليًا محدودًا، بل هو قرار جلل يتصل بنهضة البلاد وانبعاث الإنتاج وتدفق المال والاستثمار والصادرات والتحويلات، وما يترتب على ذلك كله من تغيّر حقيقي في معاش الناس، وحركة الأسواق، وفرص العمل، وخدمات التعليم والصحة والطاقة والبنية التحتية، بل في حال البلاد كلها. ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس، بل نسبة غير قليلة من النخب والمتابعين للشأن العام، لا ينتبهون إلى فداحة أثر هذا الباب، وربما لا يدركون أن سعر الصرف ليس رقمًا مصرفيًا مجردًا، وإنما هو مفتاح من أكبر مفاتيح الحركة الاقتصادية كلها؛ فإذا ظل مقيدًا ومزدوجًا ومختبئًا في السوق الموازي، بقيت معه أبواب كثيرة مغلقة، وإذا تحرر في النور، انفتحت معه أبواب واسعة للنهضة والانطلاق.
وليس معنى ذلك أن تحرير سعر الصرف وحده يصنع النهضة في يومٍ واحد، أو يغني عن الأمن والإنتاج والكهرباء والزراعة والصناعة وإصلاح مؤسسات الدولة؛ ولكنه، بلا مراء، يفتح أكبر بابٍ ظل مغلقًا أمام المال، والتصدير، والتحويلات، والاستثمار، وانطلاق الإنتاج، ويفتح الطريق أمام علاج إشكالات الطاقة والبنية التحتية وما يتصل بهما. أما الإبقاء على الوضع الحالي، فلن يحفظ قيمة العملة، ولن يحمي المواطن، ولن يلغي السوق الموازي، بل سيبقي الاقتصاد محكومًا بسعرٍ يعمل في الظلام، وسيبقي الدولة محرومة من الرسوم والبيانات والثقة، وسيبقي المستثمر الجاد بعيدًا، والصادرات مكبلة، والتحويلات هاربة من القنوات الرسمية، ومشروعات الإنتاج والطاقة والبنية التحتية محاصرة بأحد أكبر عوائق التمويل والحركة الاقتصادية.
إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الدوران حول المشكلة، بل يحتاج إلى قرار واضح: سعر صرف حر ومنظم، معلن وشفاف، تديره آلية العرض والطلب عبر البنوك والصرافات الرسمية، وتراقبه الدولة منعًا للاحتكار والغش، لا تحكمًا إداريًا في رقمٍ لا يؤمن به أحد. فليس من الحكمة أن نخضع جميعًا لسعر السوق الموازي في الواقع، ثم نرفض الاعتراف بهذا الواقع في القانون. والحل أن ننقل الحقيقة إلى النور فنجني ثمارها، لا أن نتركها تعمل في الظلام فنكتوي بنارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى