مقالات

إشتياق الكناني تكتب :  عندما يعطش النيل

كنت كلما سمعت السؤال: كيف يعطش بلد يشقه نهران عظيمان؛ النيل الأزرق والنيل الأبيض؟ كنت أظنه سؤالًا أقرب إلى الدهشة منه إلى الواقع، لكن الخرطوم أجابت عنه بنفسها، وأصبح العطش حقيقة لا استعارة.

قبل فترة، نشرت صحيفة **العهد أونلاين** نداءً وجّهه مواطنون من أحد أحياء مدينة بحري الشهيرة إلى سكان حيهم، دعوهم فيه إلى إغلاق الحنفيات وإصلاح الأعطال داخل المنازل، بعدما تدفقت المياه إلى الشوارع وشكّلت بركًا بسبب التسربات. كان النداء يومها دعوةً إلى الحفاظ على نعمة الماء وعدم هدرها.

واليوم تبدّل المشهد تمامًا.

انخفض انسياب المياه، ومع قطوعات الكهرباء الطويلة توقفت محطات الضخ، فأصبحت المنازل التي كانت تهدر المياه تبحث عن قطرة منها. كيف لمدينة يحتضنها النيل أن تعجز عن توفير الماء لسكانها؟ سؤال لم يعد بلاغيًا، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

ورغم الجهود التي بذلتها ولاية الخرطوم بدعم محطات المياه بمولدات بديلة، ظل العطش حاضرًا، لأن الأزمة أكبر من أن تعالجها حلول إسعافية. فعندما يعطش الناس في مدينة يعبرها النيل، فإن الخلل لا يكون في الماء وحده.

في ظهيرة يوم قائظ، وعلى شجرة سدر تطل على منزلنا، وقف فتى في المرحلة المتوسطة يبدل ملابسه على عجل، كأنه يطارد الزمن. فتحت الباب مصادفة، فارتبك قليلًا، ثم بادرني بالكلام قبل أن أسأله، وقال: **”أعمل خبازًا في المخبز المجاور. لو ذهبت إلى المنزل أولًا، سأتأخر عن عملي، وقد تُخصم يوميتي، لذلك أبدل ملابسي هنا.”**

قالها ببساطة، ثم مضى مسرعًا، بينما بقيت كلماته عالقة في ذهني. طفل يحمل همَّ الدراسة والعمل في آنٍ واحد، ويحسب دقائق يومه لأنها قد تعني فقدان أجره.

لم أجد ما أقوله سوى أن أمازحه: **”زيدوا لينا وزن الرغيفة، بعد ما ارتفع سعرها ولسه وزنها كما هو.”**

ابتسم ابتسامة خاطفة، ثم ركض نحو المخبز.

في تلك اللحظة، أدركت أن الأبطال الحقيقيين لا تصنعهم الأضواء، بل تصنعهم الحياة. هؤلاء الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، ويحملون على أكتافهم مسؤوليات أكبر من أعمارهم، هم جنود الحياة اليومية.

ثم يعود السؤال الذي يطارد المواطن كل يوم: أين حكومة الأمل من معاناة الناس؟

لم يعد المواطن ينتظر الخطب، بل ينتظر ماءً يصل إلى منزله، ورغيفًا لا يتناقص وزنه كلما ارتفع سعره، ورقابةً تحد من فوضى الأسواق. صار الدولار الشماعة التي يعلّق عليها كل تاجر زياداته، حتى أصبح المواطن يدفع الثمن دون أن يعرف لماذا، أو إلى متى سيظل هذا الحال.

ولماذا يرتفع كل شيء؟ لن تجد جوابًا اليوم، وربما لا تجده غدًا، لكننا نظل ننتظر إجابة لا تأتي.

قبل أيام، سألتني صديقة بعدما رأت منزلهم الذي تركوه قبل ثلاثة أعوام بسبب الحرب:

**”هل نستطيع أن نعفو؟ أن ننسى؟ أن نسامح رغم كل هذا الألم؟”**

لم أجد جوابًا يشفي القلب.

قلت لها: قد تلتئم الجراح، لكنها لا تمحو الندوب. فالحرب لا تهدم البيوت وحدها، بل تترك في النفوس ما يصعب ترميمه.

وستظل الذاكرة تعود إلى ذلك السبت من الأسبوع الرابع من رمضان. كانت البيوت تستعد لاستقبال عيد الفطر، وكانت الأرواح تنتظر تكبيرات العيد، لكن الحرب كانت أسرع من الفرح، وأسرع من العيد نفسه.

منذ ذلك اليوم، لم يعد العيد كما كان، ولم تعد المدن كما عرفناها.

ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته: هل يأتي يوم تستطيع فيه العدالة أن ترد الحقوق إلى أصحابها، وأن تعيد لهذا الوطن طمأنينته، ولأعياده فرحتها التي اختطفتها الحرب؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى