مقالات

اشتياق الكناني تكتب | الكتاب.. نافذة للنجاة من خراب الحرب

في خضم الظروف القاسية التي عاشها السودانيون خلال السنوات الأخيرة، يبرز الكتاب بوصفه واحداً من أهم وسائل استعادة الوعي وترميم ما أفسدته الحرب. ومن هنا تأتي أهمية المبادرة التي أطلقتها دار المصورات للنشر والتوزيع بإقامة معرض للكتاب يضم عناوين متنوعة بأسعار في متناول الجميع، في خطوة تستحق الإشادة والدعم.

لقد حملت الحرب معها خسائر لا تُحصى، ولم تقتصر آثارها على الأرواح والممتلكات فحسب، بل امتدت إلى الذاكرة الثقافية والمعرفية للأسر السودانية. فقد فقد كثيرون مكتباتهم الخاصة، وضاعت أمهات الكتب والمخطوطات والمسودات التي كانت تمثل جزءاً من تاريخهم الشخصي والثقافي، بعد أن تعرضت منازل عديدة للنهب والحرق والتخريب.

لذلك فإن معارض الكتب اليوم لا تمثل مجرد مناسبة لشراء كتاب جديد، وإنما تشكل فرصة حقيقية لإعادة بناء الجسور مع المعرفة، وإحياء عادة القراءة التي ظلت لعقود جزءاً أصيلاً من وجدان المجتمع السوداني. فالكتاب ليس أوراقاً مطبوعة فحسب، بل رحلة فكرية وإنسانية تأخذ القارئ إلى عوالم مختلفة، وتجعله يعيش تجارب الآخرين، ويتأمل التاريخ، ويفهم الحاضر، ويستشرف المستقبل.

ومن خلال القراءة نستطيع أن نعيد اكتشاف أنفسنا بعد سنوات الحرب والاضطراب. نقرأ لنفهم كيف وصلت بلادنا إلى هذه المرحلة، ولنستوعب الدروس المؤلمة التي خلفتها الحرب، وما صاحبها من تهجير ولجوء وانقسام اجتماعي واستهداف لمقدرات الوطن وأمنه واستقراره.

كما نقرأ لنوثق قصص التضحية والفداء، ولنعرف حجم التضحيات التي بذلها أبناء السودان دفاعاً عن أرضهم وشعبهم. فالقراءة تمنحنا القدرة على فهم الأحداث بعيداً عن الانفعال الآني، وتساعدنا على بناء وعي نقدي قادر على التمييز بين الحقائق والشائعات، وبين المصالح الوطنية والمشروعات التي تستهدف استقرار البلاد.

إن المجتمع الذي يقرأ هو مجتمع أكثر قدرة على تجاوز الأزمات. فالقراءة تبني الإنسان، والإنسان الواعي هو أساس أي مشروع للنهوض وإعادة الإعمار. ولهذا فإن مبادرة دار المصورات لا ينبغي النظر إليها كفعالية ثقافية عابرة، بل كجزء من معركة أكبر لاستعادة الوعي ومصالحة المجتمع مع المعرفة بعد سنوات من الخراب.

وكما نحتاج إلى الأمل كي نستمر، فإننا نحتاج إلى الكتاب كي نفهم، وإلى القراءة كي نتعلم، وإلى المعرفة كي نمنع تكرار المأساة. فالكتب قادرة على أن تفتح نوافذ جديدة نحو المستقبل، وأن تذكرنا دائماً بأن بناء الأوطان يبدأ من بناء العقول.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى