
في الحقيقة، اهتمامي بدواجن النيل لم يأتِ من زاوية اقتصادية أو إنتاجية في المقام الأول، وإنما جاء من زاوية إنسانية وخدمية، ومن اهتمامي بما تقدمه الشركة لإنسان المنطقة، وما ارتبط بها منذ إنشائها من مشروعات في مجال المسؤولية المجتمعية، قبل أن يمتد عطاؤها إلى مناطق مختلفة من السودان.
وأعتقد أن النظر إلى دواجن النيل باعتبارها مجرد شركة تعمل في مجال إنتاج الدواجن، يُغفل جانباً مهماً من قصتها ودورها. فالمشروع منذ بداياته ارتبط بمشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لسد مروي، وبالتالي لم يكن وجوده منفصلاً عن الإنسان والمجتمع الذي نشأ فيه.
ومن هنا يأتي اهتمامي بالمسؤولية المجتمعية للشركة؛ لأن المسؤولية المجتمعية في رأيي لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تبرعاً عابراً أو مساعدة موسمية، وإنما هي إحساس حقيقي بالمسؤولية تجاه المجتمع، وترجمة لهذا الإحساس إلى مشروعات وخدمات وفرص يستفيد منها الإنسان بصورة مباشرة ومستدامة.
لقد ارتبطت دواجن النيل بالمجتمعات المتأثرة بقيام سد مروي، وكان توفير فرص العمل ودعم التنمية المحلية أحد الجوانب المهمة في علاقة المشروع بالمنطقة. كما أن وجود مشروع إنتاجي بهذا الحجم يمكن أن يمثل فرصة حقيقية لتحريك الاقتصاد المحلي، وفتح أبواب العمل أمام أبناء المنطقة، ودعم الأسر، ونقل الخبرات والتقانات في المجالات الإنتاجية.
ولا يمكن كذلك فصل الدور المجتمعي لدواجن النيل عن قضية الأمن الغذائي. فإنتاج اللحوم البيضاء ليس مجرد نشاط تجاري، بل يمثل جزءاً من منظومة الغذاء التي يحتاج إليها المواطن السوداني، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع أسعار السلع الأساسية. وكلما تمكنت المؤسسات الوطنية من المحافظة على الإنتاج وزيادته، فإنها تسهم بصورة مباشرة في تخفيف الضغط على المواطن ودعم استقرار الأسواق.
وخلال الأزمات التي مر بها السودان، ظهرت أيضاً أهمية الدور الإنساني للمؤسسات والشركات الوطنية، من خلال المساندة وتقديم العون للمجتمعات المتضررة. وهذا النوع من المسؤولية يكتسب أهمية أكبر في بلد يعيش ظروف الحرب والنزوح وتراجع الخدمات، حيث لم تعد المسؤولية الاجتماعية رفاهية، وإنما أصبحت جزءاً من واجب المؤسسات تجاه المجتمع.
لكنني أرى أن الأهم من كل ذلك هو النظر إلى المستقبل. فالمسؤولية المجتمعية لا ينبغي أن تتوقف عند المساعدات أو المبادرات، وإنما يجب أن تتحول إلى مشروعات تنموية مستدامة، خاصة في المناطق التي ارتبط بها المشروع منذ نشأته. فدعم مشروعات الزراعة والري، وتمكين الأسر المنتجة، وتوفير فرص العمل والتدريب، والمساهمة في الخدمات المحلية، كلها مجالات يمكن أن تجعل من ا لمسؤولية المجتمعية نموذجاً حقيقياً للتنمية.
وفي تقديري، فإن أي حديث عن مستقبل دواجن النيل يجب ألا ينظر إليها من زاوية الإنتاج والأرباح فقط، وإنما يجب أن يضع في الاعتبار الدور الذي يمكن أن تؤديه تجاه إنسان المنطقة والمجتمع السوداني بصورة عامة. فالمؤسسة الناجحة ليست التي تنتج وتبيع فقط، وإنما التي تترك أثراً طيباً في المكان الذي تعمل فيه.
ومن هنا يأتي اهتمامي بدواجن النيل؛ ليس دفاعاً عن شركة لمجرد أنها شركة، وإنما دفاعاً عن فكرة أؤمن بها: أن الإنتاج والتنمية والمسؤولية تجاه الإنسان يجب أن تسير معاً. وإذا كان لدواجن النيل تاريخ في هذا الجانب، فإن المطلوب اليوم ليس فقط المحافظة على هذا الدور، وإنما تطويره وتوسيعه ليصل أثره إلى أكبر عدد ممكن من السودانيين.
ففي النهاية، قد تُقاس الشركات بأرقام إنتاجها وأرباحها، لكن قيمتها الحقيقية تُقاس أيضاً بما تتركه خلفها من فرص، وخدمات، وتنمية، وأمل في حياة الناس.





