الأخبارمقالات

السودان يستقبل العيد بقلبٍ لا يعرف الانكسار

همس البوادي|سعاد سلامة

ليست الأوطان بما تمر به من محنٍ عابرة بل بما تختزنه شعوبها من قدرةٍ على الصبر والنهوض وتجاوز العثرات فالتاريخ يخبرنا دائماً أن الشعوب الحيّة قد تنكسر لحظةً تحت وطأة الألم لكنها لا تسقط بل تعود أكثر قوةً وإيماناً بالحياة وفي السودان حيث تتقاطع الأحزان مع الآمال في زمنٍ مثقلٍ بالحرب والتحديات يبقى في القلوب شعاعٌ لا ينطفئ من الرجاء بأن الغد لا بد أن يكون أجمل وأن ما يمر به الوطن اليوم ليس إلا مرحلةً عابرة في مسيرة شعبٍ عرف الصبر طريقاً والكرامة عنواناً
وفي خضم هذه الظروف الصعبة يطل عيد الفطر المبارك ليحمل معه معاني الرجاء التي زرعها شهر رمضان في النفوس فقد كان رمضان مدرسةً عظيمةً للصبر والإيمان تعلّم فيها الناس كيف يواجهون الشدائد بقلوبٍ مطمئنة ويقينٍ لا يتزعزع بأن بعد العسر يسراً وفي أيامه المباركة ولياليه العامرة بالعبادة والدعاء تجددت في النفوس معاني الرحمة والتكافل والتراحم فامتدت الأيادي بالعطاء وتعالت الدعوات بأن يحفظ الله البلاد ويكتب لها السلام والاستقرار

وعندما ينقضي رمضان ويأتي عيد الفط، لا يكون العيد مجرد مناسبةٍ عابرة للفرح بل امتداداً لتلك القيم التي غرسها الشهر الكريم في النفوس ففي مثل هذه الأوقات الصعبة يصبح العيد رسالةً إنسانية عميقة تذكّر الناس بأن التضامن هو القوة الحقيقية التي تحمي المجتمعات في أوقات الأزمات وأن التكافل بين أبناء الوطن هو الجسر الذي يعبر به الجميع نحو الأمان

لقد فرضت الحرب واقعاً قاسياً على تفاصيل الحياة في السودان فبيوتٌ كثيرة افتقدت ضحكات أحبّة غيّبتهم المعارك أو فرّقتهم ظروف النزوح واللجوء وأسرٌ كثيرة وجدت نفسها تواجه تحديات الحياة في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية معقدة ومع ذلك فإن روح السودانيين التي عُرفت عبر التاريخ بالشهامة والصبر لا تزال حاضرةً بقوة تؤكد أن هذا الشعب قادرٌ على تجاوز المحن مهما اشتدت

وفي مثل هذه الظروف يكتسب العيد معنى أعمق بكثير من مجرد طقوسٍ اجتماعية فهو لحظة إنسانية تتجدد فيها قيم الرحمة والتكافل حيث تتجه القلوب قبل الأيادي إلى الفقراء والمحتاجين والمرضى والجرحى والنازحين الذين أثقلت كاهلهم ظروف الحرب وفي تلك اللحظات تتجلى أجمل صور التضامن الإنساني عندما يشعر كل فردٍ بأن له مكاناً في قلب هذا المجتمع وأن الوطن ما زال قادراً على احتضان أبنائه مهما اشتدت الأزمات

كما أن العيد يبعث برسالةٍ قوية مفادها أن الأوطان لا تُقاس بحجم ما تمر به من أزمات بل بما يمتلكه أبناؤها من إرادةٍ للنهوض والتعافي فالتاريخ مليء بالشواهد التي تؤكد أن الشعوب التي تتسلح بالصبر والإيمان قادرةٌ على تجاوز أقسى اللحظات والسودان بما يحمله أبناؤه من قيم النخوة والتكافل ليس استثناءً من هذه القاعدة.

وفي  العيد وبعد شهرٍ امتلأت أيامه بالصيام ولياليه بالدعاء ترتفع الأكف إلى السماء بالدعاء الصادق بأن يحفظ الله السودان وأهله وأن يرفع عنه البلاء، وأن يحقن الدماء ويجمع القلوب على كلمةٍ سواء دعواتٌ صادقة بأن يعود الأمن إلى المدن والقرى وأن يستعيد الوطن عافيته وأن تعود الحياة إلى طبيعتها بعد سنواتٍ أثقلت فيها الحرب كاهل الإنسان والمكان

إن الوطن وإن بدا اليوم جريحاً إلا أن في قلوب أبنائه من الإيمان والأمل ما يكفي لشفائه فكل دعوةٍ صادقة في هذا العيد هي خطوة نحو السلام وكل يدٍ تمتد بالعطاء هي لبنةٌ في بناء مستقبلٍ أكثر أمناً واستقراراً فالأوطان تُبنى بالأمل قبل الحجر وبالإرادة قبل الإمكانات وبإيمان أبنائها بأن الغد يستحق أن نعمل من أجله

ويبقى الأمل كبيراً بأن يكون هذا العيد بداية مرحلةٍ جديدة تُطوى فيها صفحات الألم وتُفتح فيها أبواب السلام ويعود فيها السودان وطناً يحتضن أبناءه بالمحبة والوئام وطناً يستعيد فيه الناس طمأنينتهم وتعود فيه الحياة إلى مجاريها الطبيعية

فاصلة
نسأل الله أن يجعل عيد الفطر المبارك فاتحة خيرٍ على البلاد وأن يكتب للوطن التعافي بعد الجراح والاستقرار بعد الاضطراب وأن يعيده إلى أهله وطناً آمناً مطمئناً تسوده الرحمة والسلام
فكل عامٍ والسودان أقرب إلى الشفاء وكل عامٍ وشعبه أكثر صبراً ووحدةً وأملاً في فجرٍ يبدد ظلام الحرب ويعيد للوطن ابتسامته.
اللهم آمنا في أوطاننا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى