حظر الفول المصري… هل نحمي الإنتاج أم ننقل التجارة إلى التهريب؟
بهدوء وتدبر |محمد عثمان الشيخ النبوي

صدر قرار بحظر استيراد الفول المصري، تنفيذًا لقرار سابق بحظر عدد من السلع، بدعوى تنظيم الاستيراد وحماية الإنتاج المحلي وتشجيع المنتج الوطني.
والغاية مفهومة؛ فالسودان بلد زراعي، ومن غير المقبول أن يعتمد على استيراد سلع يستطيع إنتاجها. لكن الاقتصاد لا يُقاس بحسن المقاصد وحده، وإنما بنتائج الوسائل المستخدمة لتحقيقها. والسؤال ليس: هل نريد حماية المنتج السوداني؟ وإنما: كيف نحميه؟ وهل الحظر يحقق هذه الحماية فعلًا؟
السلعة التي يحتاجها الناس لا تختفي بقرار منعها. فإذا ظل الطلب قائمًا ولم يستطع الإنتاج المحلي تغطيته بالسعر والجودة المناسبين، بحثت السوق عن طريق آخر. وحين يُغلق الطريق الرسمي مع بقاء الحاجة، يتسع الطريق غير الرسمي، وتنتقل السلعة من الدخول عبر القنوات الرسمية إلى الدخول تهريبًا، فتصل بسعر أعلى، بينما تفقد الدولة الجمارك والرسوم والرقابة عليها.
والقول إن الحظر يوفر النقد الأجنبي ليس صحيحًا بالضرورة؛ فما دام الطلب على السلعة قائمًا والإنتاج المحلي لا يغطيه، تبقى الحاجة إلى النقد الأجنبي لشرائها من الخارج. بل تصبح تكلفة إدخالها تهريبًا أعلى من استيرادها بصورة معلنة بسبب مخاطر التهريب وتكاليفه وهوامش أرباحه. وهكذا لا يعالج الحظر أصل الطلب على النقد الأجنبي، وإنما ينقل التجارة من السوق المعلنة الخاضعة للجمارك والرقابة إلى السوق المخفية القائمة على التهريب، ويجعل الحصول على الكمية نفسها أكثر كلفة.
أما حماية المنتج المحلي، فلا تكون بإبعاد منافسه، وإنما بإزالة أسباب عجزه عن منافسته. فإذا كان المزارع السوداني يتحمل تكاليف مرتفعة في الطاقة والنقل والتمويل والمدخلات والرسوم والجبايات والتخزين والتسويق، فإن منع الفول المستورد لا يخفض شيئًا من هذه التكاليف.
وهنا السؤال الأهم: إذا استطاع فول أُنتج خارج السودان، ثم عُبئ ونُقل وعبر الحدود وتحمل تكاليف التجارة، أن ينافس فولًا منتجًا في بلد يملك الأرض والمياه والخبرة الزراعية، فأين تكمن المشكلة الحقيقية؟
المشكلة ليست في الفول القادم من الخارج، وإنما في البيئة التي تجعل تكلفة الإنتاج في الداخل أعلى مما ينبغي. ومنع النتيجة مع إبقاء أسبابها ليس إصلاحًا اقتصاديًا.
صحيح أن المنتج المحلي يستفيد مؤقتًا من اختفاء المنافس، لكن السوق المغلقة تقلل الحافز إلى خفض التكلفة وتحسين الجودة وزيادة الإنتاج. وما يبدأ حمايةً للمنتج يمكن أن يتحول مع الزمن إلى حماية لأسباب ضعفه، بينما يتحمل المستهلك فارق السعر.
ولا يعني ذلك ترك التجارة بلا ضوابط؛ فللدولة أن تمنع سلعة لأسباب صحية أو فنية ثابتة، وأن تواجه الإغراق والممارسات التجارية غير العادلة، وأن تستخدم عند الضرورة رسومًا جمركية مدروسة ومؤقتة. لكن هناك فرقًا بين معالجة اختلال محدد، وبين جعل الحظر وسيلة لإدارة السوق.
والأجدى أن يكون الطريق الرسمي أرخص وأسهل من التهريب: تدخل السلع عبر المنافذ المعروفة، وتخضع للمواصفات والرقابة، وتدفع عليها الرسوم والضرائب، وتحصل الدولة على إيراداتها، بالتوازي مع إصلاح بيئة الإنتاج المحلي حتى يستطيع منافسة المستورد طبيعيًا.
والسودان لا تنقصه مقومات إنتاج الفول وغيره من المحاصيل؛ فما يحتاجه ليس سورًا أعلى حول السوق، وإنما طاقة وتمويلًا ونقلًا وتخزينًا أفضل، ورسومًا أقل وأوضح، وسياسات مستقرة، ومنافسة حرة، وقانونًا نافذًا.
وإلى أن يستطيع الإنتاج المحلي كفاية حاجة أهل السودان، ثم تحقيق فائض قابل للتصدير ومنافسة المستورد سعرًا وجودة، فإن ضرر المنع يكون أشد من السماح بالاستيراد المنظم؛ لأن المنع لا ينتج الكمية الناقصة، بل يقلل المعروض الرسمي، ويرفع الأسعار، ويحفز التهريب، ويحرم الدولة من الإيرادات، بينما يغطي الاستيراد المنظم النقص ويحفظ المنافسة والرقابة والإيرادات إلى أن يقوى الإنتاج المحلي بوسائل الإنتاج نفسها، لا بغياب المنافس.
وعندما تصبح الزراعة مجدية والإنتاج كفؤًا، يتراجع الاستيراد تلقائيًا؛ لأن المستهلك سيجد المنتج السوداني منافسًا في السعر والجودة، وحينها لا يحتاج إلى قرار يحميه؛ تحميه قدرته على المنافسة.
لذلك فالسؤال ليس: كيف نمنع الفول المصري من دخول السودان؟ بل: كيف نجعل الفول السوداني يكفي أهل السودان، ثم يفيض إلى التصدير، منافسًا المستورد سعرًا وجودة؟
فالمنع مع بقاء أسباب المشكلة ينتهي إلى معادلة خاسرة: المستهلك يدفع أكثر، والمنتج لا تُعالج أسباب ضعفه، والطلب على النقد الأجنبي يزيد ولا ينقص، والدولة تحصل على أقل، والمهرب يربح أكثر.





