مقالات

جلود السودان المهدرة: حين تتحول الثروة إلى قمامة

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

ليست مأساة جلود الحيوانات في السودان مجرد خللٍ عابر في قطاع صغير من قطاعات الإنتاج، وليست قضية فنية محدودة تتعلق بالدباغة وحدها، بل هي صورة كاشفة لخللٍ أعمق في البيئة الكلية التي تتحرك داخلها الحياة الاقتصادية والإدارية والصناعية في البلاد. فالجلد الذي يُفترض أن يكون مادة خامًا ثمينة لصناعة الأحذية والحقائب والأحزمة والأثاث والملبوسات والمستلزمات العسكرية والمدرسية، يتحول في كثير من الأحيان إلى مخلّفٍ يُرمى مع القمامة، لا لأنه بلا قيمة، بل لأن النظام الذي كان ينبغي أن يحفظ قيمته ويصعد بها من الذبيحة إلى المصنع ثم إلى السوق، غائب أو مختل أو عاجز.

والسودان لا يعاني في هذا الباب من قلة المورد؛ فالثروة الحيوانية عنده من أعظم موارده الطبيعية، ولو أحسن إدارتها لما كانت اللحوم وحدها هي موضع الاهتمام، بل لأصبحت الجلود والعظام والقرون والشعر والدم وسائر مخلفات الذبيح مدخلًا واسعًا لصناعات متكاملة، وفرص عمل، وصادرات، وقيمة مضافة. غير أن المشكلة أن الحيوان عندنا يُنظر إليه غالبًا من زاوية اللحم أو البيع الحي، أما ما بعد الذبح فيُعامل كأنه شأن ثانوي، مع أن الدول التي تفكر بمنطق الصناعة لا تترك شيئًا من الذبيحة بلا استعمال اقتصادي.

تبدأ المشكلة من المسلخ نفسه، حيث يتم الذبح والسلخ في كثير من الحالات خارج منظومة حديثة منضبطة. فالسلخ غير المحترف يجرح الجلد ويفقده جزءًا كبيرًا من قيمته، والتلوث بالدم والروث والتراب يضعف صلاحيته، وغياب التمليح والحفظ السريع يجعله عرضة للتلف خلال زمن قصير. والجلد مادة حساسة؛ إن لم يُحفظ في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة، انتقل من كونه مادة صناعية قابلة للتصنيع والتصدير إلى عبءٍ بيئي وصحي لا يرغب أحد في حمله.

ثم تأتي الحلقة الثانية من الخلل، وهي ضعف شبكة التجميع. فبلد واسع كالسودان لا يكفيه وجود بعض المدابغ في المدن الكبرى، بل يحتاج إلى نقاط تجميع قريبة من المسالخ والأسواق والقرى، فيها فرز وتمليح وتجفيف وتخزين ونقل منظم. فإذا لم توجد هذه الشبكة، ضاعت الجلود قبل أن تصل إلى المدابغ، ووجد الناس أنفسهم أمام خيارين كلاهما رديء: بيع الجلد بثمن بخس لمن يجمعه بلا نظام، أو تركه يتلف حتى يُرمى مع النفايات.

ويضاف إلى ذلك أن السودان لم يبنِ حول الجلود صناعة تحويلية حقيقية بالقدر الذي يناسب حجم موارده الحيوانية. فالجلد لا ينبغي أن يبقى خامًا أو نصف مصنع، بل يجب أن يتحول إلى منتجات نهائية ذات قيمة عالية. والفرق كبير بين جلدٍ يُباع خامًا بثمن زهيد، وحقيبة أو حذاء أو منتج جلدي يحمل قيمة التصميم والتصنيع والتسويق والعمل البشري. هنا تضيع القيمة المضافة، وتضيع معها فرص العمل، وتضيع قدرة البلاد على تحويل مواردها الطبيعية إلى نهضة صناعية.

ومن أسباب الفشل كذلك تعدد الرسوم والجبايات والقيود الإدارية التي تحاصر المنتج والمجمّع وصاحب المدبغة وصانع الأحذية. فالدولة حين تحضر بوصفها جابيًا لا منظمًا، فإنها لا تبني صناعة، بل تزيد كلفتها وتضعف جدواها. والمطلوب من الدولة ليس أن تملك كل مدبغة أو تدير كل مصنع، بل أن تنشئ البيئة التي تجعل النشاط ممكنًا ومربحًا ومنظمًا: مسالخ حديثة، تدريب للسلّاخين، إلزام بحفظ الجلود، منع رميها، ربط بين المسالخ والمدابغ، مناطق صناعية جلدية، معالجة بيئية للمخلفات، تمويل ميسر، ومواصفات واضحة للسوق المحلي والتصدير.

غير أن كل هذه الأسباب المباشرة، على أهميتها، ليست إلا أعراضًا لمرضٍ أكبر. فما يحدث في قطاع مخلفات ذبيح الحيوان هو نتاج طبيعي لخلل البيئة الكلية في السودان: بيئة إدارية مرتبكة، واقتصاد غير منظم، وغياب رؤية صناعية، وضعف في الرقمنة، وتعدد في السلطات والرسوم، واضطراب في التخطيط، وقصور في تحويل الموارد إلى سلاسل قيمة. ولذلك فإن ما نراه في الجلود نراه في الزراعة، وفي التعدين، وفي الصمغ العربي، وفي الموانئ، وفي النقل، وفي الكهرباء، وفي التعليم، وفي معظم وجوه الحياة العامة. المورد موجود، لكن المنظومة التي تحوله إلى قيمة غائبة أو مشلولة.

وهذه هي المأساة السودانية المتكررة: نحن لا نفتقر دائمًا إلى الموارد، بل نفتقر إلى النظام الذي يجعل المورد منتجًا. نملك الأرض ولا نحسن دائمًا زراعتها وتصنيع محصولها، ونملك الحيوان ولا نحسن دائمًا تحويله إلى صناعات، ونملك الموقع ولا نحسن دائمًا تحويله إلى تجارة وخدمات، ونملك الإنسان ولا نوفر له البيئة التي تطلق طاقته. ومن هنا فإن جلد الحيوان المرمي مع القمامة ليس مجرد جلد ضائع، بل هو رمز لدولة تضيع فيها الثروات لأنها لم تُحط بمنظومة تفكير وإدارة وإنتاج.

إن إصلاح هذا القطاع لا يبدأ بقرار معزول يمنع رمي الجلود أو يفرض رسومًا جديدة، بل يبدأ بفهمٍ كامل لسلسلة القيمة. ينبغي أن يُنظر إلى مخلفات الذبيح باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا قائمًا بذاته، لا بقايا هامشية. فالمسلخ يجب أن يكون بداية صناعة، لا نهاية ذبيحة. والجلد يجب أن ينتقل مباشرة إلى قناة حفظ وتجميع، ثم إلى مدبغة، ثم إلى مصنع، ثم إلى سوق محلي أو خارجي. والعظم يمكن أن يدخل في صناعات الأعلاف والأسمدة والجيلاتين، والقرون في الصناعات الحرفية، والدم في الأسمدة أو بعض الاستخدامات الصناعية، والشحوم في صناعات متعددة. هكذا تفكر الدول التي لا ترمي ثروتها في القمامة.

ولكي يحدث ذلك، لا بد من إنشاء مسالخ حديثة في المدن والأسواق الحيوانية الكبرى، وتدريب العاملين على السلخ السليم، وإنشاء نقاط تجميع مرخصة، وتوفير الملح ووسائل الحفظ، وربط هذه النقاط بالمدابغ عبر عقود واضحة، ثم إقامة مناطق صناعية جلدية متكاملة تضم الدباغة والتصنيع ومعالجة المخلفات. كما ينبغي تشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالجلود، خاصة الأحذية المدرسية والحقائب والأحزمة والمنتجات الشعبية والتراثية، لأن القيمة الكبرى لا تتحقق من الدباغة وحدها، بل من المنتج النهائي.

ولا بد كذلك من تحرير بيئة العمل والاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وإزالة الجبايات المتعددة، وإدخال الرقمنة في تتبع الإنتاج والتجميع والتسعير والتصدير. فالقطاع لا يحتاج إلى خطب كثيرة، بل إلى نظام عملي واضح يعرف فيه كل طرف حقه وواجبه: صاحب المسلخ، الجزار، جامع الجلد، المدبغة، المصنع، التاجر، والمصدر.

وحين تظهر الأسعار بشفافية، وتُعرف المواصفات، وتُختصر الإجراءات، ويتحول الجلد من عبء إلى دخل، فإن الناس أنفسهم سيحرصون عليه بدل إهماله.
إن رمي الجلود مع القمامة في بلد كالسودان ليس حادثة صغيرة، بل إدانة صريحة لطريقة إدارة الموارد. فهذا البلد لا يجوز أن يظل بلد خامات ومخلفات، بينما كان يمكن أن يكون بلد صناعات وصادرات. ولا يجوز أن تظل الذبيحة تنتهي عند اللحم، بينما في كل جزء منها قيمة قابلة للتصنيع. ولا يجوز أن نتحدث عن الفقر والبطالة وشح العملات الأجنبية، ثم نترك موارد جاهزة تضيع أمام أعيننا.

قضية الجلود تقول لنا بوضوح إن النهضة لا تصنعها الموارد وحدها، بل تصنعها البيئة التي تحسن تنظيم الموارد. فإذا بقيت البيئة الكلية مختلة، فسوف تظهر أعراض الخلل في كل مكان: في جلدٍ يُرمى، ومحصولٍ يفسد، ومعدنٍ يُهرب، وميناءٍ يتعطل، وشابٍ يهاجر، ومصنعٍ يغلق. أما إذا أُصلحت البيئة العامة بالتحرير المنضبط، والرقمنة المتكاملة، والإدارة الرشيدة، والرؤية الصناعية، فإن ما كان يُرمى مع القمامة يمكن أن يصبح صناعة، وما كان عبئًا يمكن أن يصبح ثروة، وما كان مظهرًا من مظاهر الفشل يمكن أن يتحول إلى باب من أبواب النهضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى