الصادق يسين يكتب | علي خطي الاصلاح | ساقتنا الظروف يا صاحي..!

لمحته فجاءة وهو يجلس شاردا مهموم الفكر في ديار قدم اليها غريب عنها ويجهل طباع اهلها فقد سأقته إليها احكام الظروف والأقدار مكرها بعد أن كان يحلم أن يقضي ما تبقى من عمره وهو بين احضان ابنائه وام عياله وضحكات اصدقائه ومشاغبات أحفاده ، جاء هربا من جحيم الحرب ليعيش حربا من نوع آخر الساعة بيوم واليوم بشهر والشهر بعام يضع بصماته خصلات من شعر ابيض وخطوط علي مقدمة الجبين وعينان تصغران فتغبش الصور الذاهبة
الألوان .. كم ياتري مرت من تلك الاعوام وكم الذي تبقي منها .. جاء غريبا مكرها تاركا خلفه كل مايحب لمن لايحب ، جلس ذلك الرجل وعلي خده كانت تنحدر حبات من الدمع السخين كانت تناسب خلسة بهدوء وهي اشبه بخرزات اللؤلؤ المنثور علي أرض جدباء .. فوقفت علي جنب منه سأرح في حاله ومآله وحينها لا ادري لماذا تبادرت لذهني تلك الكلمات التي ظلت تتغنى بها الفنانة الجميلة حنان النيل ..
ساقتنا الظروف يا صاحي لي دار العذاب والغربة..
فارقنا البلد نتباكا احكام الزمان صح صعبة..
من شفع صغار في الدنيا يا دوب في
المهد نتربى ..
ما فتنا البلد بالمرة حبها قام معانا وشبا
بي فوق البحر نتجارا عاشرنا وبقينا احبه .. الي أن تصل بكلماتها الرائعة لترجع به الي ذكريات ذلك الماضي الجميل وهي تجسد حاله وهو جالس شارد الفكر يطوف علي ذكريات هذه الكلمات متحسر علي ذلك ومن أن تعود به عقارب الزمن من جديد ..
اه انا يا حليل رملاتنا منها كم نشيد قبة..
نرميها ونقول لي بعضنا تجمع قلبي فوق التبه..
نرجع نلتقى ونتلمي ونسال عن صديقنا القبة ..
ثم يواصل ذكرياته وكأنه يتمني لو يصبح صباح الغد لتنتهي تلك المعاناة الحزينه وكانه يتسأل بينه وبين نفسه قائلا…
نرجع عاد متين لي بلدنا ..
يفرح عاد قلبنا الحبة
نيلا ولون نخليها الزاهي حفاه الاراضي الخصبة .
عفوا سيدي الرئيس بن البلد الجريح ولكن هذا هو حال اهل السودان الآن إنهم يعانون غربة اللجوء .. وضيق الحال ياسيدي رئيس مجلس السيادة .. يا سيدي رئيس مجلس الوزراء بتنا نرى بكاء الرجال في شوارع مدن اللجوء التي لجاؤا إليها فرارا من نيران الحروب .. نعم لقد بتنا نري النساء يتألمن في صمت تبين ملامحه علي تلك الوجوه لتتحدث وهي اكثر صدقا في تعابيرها من كل حديث .. بتنا
نري هناك رجال يبكون في صمت مريب بعد أن كنا لانري بكاء للرجال إلا إن ماتت أمهاتهم أو ابائهم أو إذا مرض أحد من فلذات أكبادهم ومثلما كنا نراهم يبكون في مواقف الحزن النبيل .. كنا نراهم يبكون في مواقف الفرح الجميل وهم يزوجون ابنائهم والآن هم يبكون فرحا أن بانت تباشير العودة للوطن تلوح ..
يا سيدي الرئيس لا تجعلهم من بعد اليوم ينتظرون أكثر وهم يبكون قهرا وظلم وضيق بعد أن اصبح اكثرهم عاجزون عن تأمين لقمة عيش أو حاجة في النفس والنفس إمارة بالسوء أو أدني رغبات لابنائهم فلذات أكبادهم بغربة لايعلمون متي تنتهي مآسيها بعودة كريمة تحفظ متبقي من ماء الوجوه .
الآن ياسيدي الرئيس نراء كبارنا ابائنا امهاتنا مرضانا علي اذقة الحواري والشوارع الصامته وهم يبكون من فراق الوطن والأحبة فالي متي يظل الحال فقد جفت الدموع وانفطرت القلوب ولم يتبقي بالشقق البارده شتاء والحارة صيفا إلا مر الانتظار علي رصيف الخوف من أجساد تخاف أن يضمها ثري غير ثري السودان ..
فلتضع الحرب أوزارها بعد أن شارفت بلوغ غاياتها فلا ينبقي اطالتها بالتسويف وانتظار المجهول الذي ماعاد انتظاره يجدي نفعا ..
حفظ الله بلادنا وأهلنا ونصر جيشنا واعاد لنا نعمة الأمن والاستقرار والسلام .. وما النصر الا من عند الله الذي يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور .




