
تمر بلادنا اليوم بمنعطف تاريخي لا يقبل أنصاف الحلول. فالحرب التي مزقت النسيج الاجتماعي، وهدمت البنية الاقتصادية، لم تكن إلا نتيجة لعقود من الاستقطاب الحاد والتكالب الحزبي الذي قدم “الأيديولوجيا” على “الخبز”، و”المحاصصة” على “الوطن”. لذا، لم يعد الحديث عن اصلاح سياسي تقليدي مجدياً؛ لقد حان الوقت لنصارح أنفسنا: السودان يحتاج إلى “فترة نقاهة سياسية” كبرى.
إنني أدعو اليوم إلى حشد الرأي العام السوداني خلف مشروع وطني خالص، يبدأ بالاستفتاء الشعبي لتجميد النشاط الحزبي مؤقتاً. ليس مصادرةً للحريات، بل لتهيئة المناخ للبناء بعيداً عن ضجيج الأجندات الحزبية الضيقة التي أورثتنا الخراب. إن المرحلة تتطلب برلماناً مستقلاً من التكنوقراط وخبراء الكفاءات، تُسند إليهم مهمة الرقابة والتشريع، وتنبثق عنهم حكومة تكنوقراط وطنية، مهمتها الوحيدة هي “الوثبة الزراعية والاقتصادية” وإعادة إعمار ما دمرته الحرب في الجوانب الاجتماعية والإنسانية.
هذا المسار الاستثنائي يجب أن يتوج بوضع دستور دائم، دستور لا ينحاز ليمين أو يسار، ولا يتبنى أيديولوجيا تقصي الآخرين، بل يكون “بوصلة للتنمية والاستقرار”. دستور يعلو فيه صوت المواطنة، ويحدد بوضوح لا لبس فيه صلاحيات القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، باعتبارها الحامي لهذا الدستور والضامن لسيادة البلاد وأمنها، بعيداً عن التجاذبات السياسية.
إن الحشد لهذا المشروع هو حشد لإنقاذ ما تبقى من السودان. إننا نحتاج إلى عقول تبني، لا إلى حناجر تهتف. نحتاج إلى “تكنوقراط” في الحقول والمصانع، لا إلى “سياسيين” في الأسافير والفنادق. هذا هو الطريق نحو دولة المؤسسات التي تحميها البنادق الوطنية، ويديرها العلم، ويقودها الدستور نحو ازدهار زراعي وصناعي واقتصادي يعيد للسودان هيبته المفقودة.
إلى لقاء آخر نفصل فيه ما أجملنا.





