
بالعودة إلى الزيارة المفاجئة لرئيس الوزراء د. كامل إدريس إلى مطار بورتسودان، فإن ما كشفته لم يقتصر على جوانب القصور التشغيلي بالمطار، بل أظهر خللاً أكبر في آليات العمل التنفيذي المحيطة بمكتبه. فمباشرته تدوين الملاحظات بنفسه على الورق عكست غياب الدور الإداري المساند لتحركاته الرسمية، الذي يفترض أن يتولى رصد المشكلات، وإعداد الملاحظات ، ومتابعة تنفيذ القرارات، بما يجعل الإدارة التنفيذية عملا منظم قائم على التخطيط والمتابعة، لا علي ردود الأفعال.
وفي مثل هذه الظروف لا تُقاس فاعلية الحكومة بعدد التوجيهات، وإنما بكفاءة المؤسسات التي تتولى تحويلها من ملاحظات ميدانية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والمساءلة الفورية ، وهي الحلقة التي يبدو أنها تحتاج إلى المراجعة بالقدر نفسه الذي تحتاجه مرافق الدولة الخدمية للتأهيل والتقويم.
زيارة رئيس الوزراء جاءت في توقيت مهم، وربما كانت أهم ما يميزها صفة المفاجأة ، إذ تصاعدت الشكاوى من الإجراءات والخدمات والبيئة الداخلية للمطار في الآونة الأخيرة بصورة لافتة . فالمطارات في الدول الساعية إلى ترسيخ مؤسساتها ليست مجرد منافذ عبور، بل مرآة تعكس الكفاءة الإدارية وهيبة الدولة، والبوابة التي يطل منها العالم على البلاد.
ومن ثم فإن تراجع الأداء فيها يُقرأ كمؤشر على اختلال منظومة الإدارة وتنسيق المسؤوليات وإحكام الأدوار ، وفعالية المؤسسات.
لذلك ما كشفته الزيارة ليس جديدًا، بل هو حصيلة تراكمات امتدت لسنوات. فالازدحام، وضعف الخدمات، وتعثر البنى الأساسية، وتأخر الأمتعة، كلها مظاهر لأزمة مزمنة جرى التعايش معها في وقت سابق أكثر من معالجتها.
وإذا كانت الحكومة ترفع شعار الكفاءة والحوكمة والإدارة الفاعلة ، فإن المطارات تمثل الاختبار العملي الأول لهذه الشعارات، باعتبارها الواجهة الرسمية للدولة ونقطة التماس المباشر بينها وبين مواطنيها وزوارها. لذلك تكتسب الزيارة أهميتها من قدرتها على تحويل التوجيهات التي تلاها رئيس الوزراء كفاحا الي المعنيين إلى إصلاحات مستدامة تعيد بناء منظومة العمل وفق معايير الكفاءة والمساءلة وجودة الخدمة.
إن أخطر ما في الحالة الراهنة ليس فقط ما خلّفته الحرب من دمار في البنية التحتية، بل ما كشفته من ضعف في البنية الخدمية للدولة. فالحرب لم تُنتج الأزمة، لكنها أزاحت عنها طبقات التجميل، وأظهرتها في شكلها الواضح للعيان. وفي هذا السياق، يصبح المطار واقع لا يعكس حالة منشأة بعينها، بل يعكس حالة نظام إداري بأكمله ظل يشكو من الاختلالات.
ومن المفارقات الدالة أن دولاً خرجت من نزاعات أشد قسوة استطاعت أن تجعل من مطاراتها رافعة للتعافي الاقتصادي، لا عبئاً عليه. رواندا، التي نهضت من واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية، أعادت تعريف المطار باعتباره مشروعاً وطنياً للاندماج في الاقتصاد العالمي. وإثيوبيا، رغم تعقيداتها الداخلية، حولت مطارها الرئيسي إلى مركز إقليمي يعيد رسم خرائط الحركة الجوية في المنطقة. وكينيا في مسار مختلف، أدركت مبكراً أن تطوير البوابات الجوية للعابرين، شرطاً للتموضع الاقتصادي.
في المقابل ظل السودان يدور في حلقة تأجيل طويلة من الصراعات السياسية والحزبية وغياب الرؤية، حيث تتقدم الخطط على الورق وتتراجع على الأرض، وتتبدل الإدارات بينما تبقى المشكلات في مكانها، وكأن الزمن لا يطالها. حتى المشاريع الكبرى، مثل مطار الخرطوم الجديد، بقيت رهينة الانتظار الطويل، في وقت تتآكل فيه المطارات القائمة تدريجياً تحت ضغط الإهمال وضعف التمويل وغياب الرؤية الموحدة.
فالمطارات، مقياس لكفاءة الدولة في التخطيط والإدارة. وأي خلل فيها يعكس خللاً في منظومة القرار والتنفيذ، لذلك فإن إصلاحها يتجاوز أعمال الصيانة إلى إعادة بناء نهج الإدارة العامة وتعزيز فاعلية مؤسسات الدولة.
لذلك حين يضطر رئيس الوزراء إلى النزول بنفسه لمتابعة تفاصيل تشغيلية يفترض أنها تقع ضمن الاختصاص اليومي لشركة المطارات ، فإن الأمر يعكس خللاً في مستويات الإدارة والمتابعة. فان ذلك يكشف غياب الأدوار التي يفترض أن تسبقه إلى هناك، وفي مقدمتها دور الوزير المختص وأجهزته التنفيذية. إذ أن كفاءة المؤسسات تُقاس بقدرتها على اكتشاف مواطن القصور ومعالجتها قبل أن تستدعي تدخلاً من قمة الهرم التنفيذي.
وعندما يصبح رئيس الوزراء هو من يلفت الانتباه إلى مشكلات التشغيل والخدمة، فإن ذلك يضع أداء الوزارة المعنية تحت مجهر المراجعة والمحاسبة، ويثير تساؤلات حول فاعلية الكفاءة والمتابعة والرقابة داخلها.
تخلص #وجه_الحقيقة إلى أن إعادة تأهيل المطارات في السودان تمثل مدخلاً لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبينها وبين العالم. فالمطار مرآة مباشرة لكفاءة الخدمة وجودة الإدارة، حيث تُقاس فاعلية الدولة بقدرتها على التشغيل المنظم وحسن الإجراءات. وفي هذا السياق، تعكس زيارة رئيس الوزراء اختباراً لطبيعة إدارة الملفات الحيوية: هل نحن أمام إصلاح جذري، أم معالجة سطحية تعيد إنتاج الأزمات بأشكال مختلفة، ويبقى “من المطار تبدأ الحكاية” هو العنوان الأصدق لهذا الواقع.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء3 يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com





