الكهرباء الضعيفة أخطر من انقطاعها كيف نحمي الأجهزة والبيوت والشبكة في السودان؟
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

لم تعد أزمة الكهرباء في السودان مجرد انقطاع التيار لساعات ثم عودته، كما كان الناس يظنون من قبل، بل صارت في كثير من الأحيان أزمة أخطر وأخفى، هي أزمة ضعف الجهد الكهربائي وتذبذبه. والجهد الكهربائي، أو ما يسميه الناس عادةً “الفولت”، هو بصورة مبسطة قوة دفع الكهرباء داخل الأسلاك. فإذا ضعف هذا الفولت، أو ارتفع فجأة، أو ظل يتذبذب بين الارتفاع والانخفاض، صارت الكهرباء الواصلة إلى البيت غير آمنة في بعض الأوقات، حتى لو كانت اللمبة مضاءة والجهاز موصولًا بالمقبس.
وهنا تكمن المشكلة التي لا ينتبه لها كثير من الناس: ليست كل كهرباء تصل إلى المنزل صالحة لتشغيل كل الأجهزة. فقد تعود الكهرباء بعد انقطاع طويل فيسارع الناس إلى تشغيل الثلاجات والمكيفات والمضخات والتلفزيونات والشواحن، مع أن لحظة عودة التيار قد تكون من أخطر اللحظات، لأن الفولت قد يرجع منخفضًا جدًا، أو مرتفعًا فجأة، أو مضطربًا قبل أن يستقر. وفي هذه اللحظات قد تتعرض الأجهزة الحساسة لخطر التلف، وقد لا يظهر الضرر فورًا، بل يتراكم يومًا بعد يوم حتى يتعطل الجهاز فجأة.
وتزداد الخطورة في الأجهزة التي تحتوي على محركات أو ضواغط، مثل المكيفات والثلاجات والمضخات. والضاغط هو الجزء الأساسي في المكيف أو الثلاجة، وهو المسؤول عن ضغط غاز التبريد وإتمام عملية التبريد. فإذا عمل الضاغط تحت كهرباء ضعيفة أو متذبذبة، فقد يسحب تيارًا أعلى من المعتاد، خاصة عندما يحاول أداء نفس الحمل تحت جهد منخفض، فتزداد حرارته ويتعرض لإجهاد قد يؤدي إلى تلفه مع الوقت. ولهذا قد يظن المواطن أن المكيف أو الثلاجة تعطلت بلا سبب، بينما السبب الحقيقي قد يكون تشغيلها المتكرر تحت فولت ضعيف أو غير مستقر.
ومن أهم القواعد العملية في هذه الظروف ألا تُشغَّل الأجهزة فور عودة الكهرباء. الأفضل الانتظار عدة دقائق، والأحوط في بيئة كثيرة التذبذب الانتظار من عشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة قبل تشغيل المكيفات والثلاجات والمضخات والأجهزة الثقيلة. كما يُستحسن فصل الأجهزة الحساسة أثناء الانقطاع، مثل التلفاز والكمبيوتر والراوتر والشواحن وبعض الأجهزة الحديثة، حتى لا تتعرض لارتفاع مفاجئ أو اضطراب في الجهد عند عودة التيار.
وفي مثل هذه الظروف، لم يعد جهاز الحماية من ارتفاع وانخفاض الجهد ترفًا، بل صار ضرورة. وجهاز الحماية هو جهاز يفصل الكهرباء تلقائيًا إذا صار الفولت أعلى أو أقل من الحدود الآمنة، ثم يسمح بعودة التشغيل بعد مدة تأخير، أو يعيد التوصيل تلقائيًا بحسب نوعه وتصميمه. وهذه المدة مهمة جدًا، لأنها تمنع الضاغط من التشغيل المباشر بعد التوقف، وهو أمر قد يضر المكيفات والثلاجات. والأفضل أن يكون جهاز الحماية جيد النوع، مزودًا بتأخير زمني، وقادرًا على الفصل عند الانخفاض والارتفاع، لا مجرد قطعة رخيصة تعطي إحساسًا كاذبًا بالأمان.
لكن جهاز الحماية لا يغني دائمًا عن مثبت الجهد. فالمثبت هو جهاز يحاول، ضمن حدود قدرته وتصميمه، رفع أو خفض الفولت الخارج إلى الجهاز ليبقى قريبًا من المجال الآمن. وتحتاج بعض المكيفات والثلاجات والمضخات إلى مثبت مناسب، خاصة في المناطق التي يكثر فيها ضعف الكهرباء. ولا يصح شراء أي مثبت رخيص دون معرفة قدرته؛ لأن المثبت الضعيف لا يحمي حملًا كبيرًا، وقد يتلف هو نفسه أو يعجز عن أداء مهمته. لذلك يجب اختيار المثبت حسب قدرة الجهاز، وحسب تيار بدء التشغيل، أي التيار العالي الذي يسحبه بعض المحركات في اللحظة الأولى عند التشغيل.
ومن المهم كذلك أن يقرأ المواطن المواصفات الفنية قبل شراء أي جهاز جديد. يجب أن يسأل: ما نطاق الفولت الذي يعمل فيه هذا الجهاز بأمان؟ هل يتحمل ضعف الكهرباء؟ هل له ضمان وصيانة وقطع غيار؟ فالجهاز الرخيص قد يكون أغلى في النهاية إذا تلف سريعًا، بينما الجهاز الأكثر تحملًا، مع حماية جيدة، قد يكون أوفر على المدى الطويل.
ومن المهم أن يعرف المواطن أيضًا أن الأجهزة ليست سواءً في تحمل ضعف الكهرباء وتذبذبها. فالأجهزة التي تحتوي على ضواغط أو محركات، مثل المكيفات والثلاجات والمضخات، هي غالبًا الأشد تأثرًا وتحتاج إلى حماية أكبر. أما بعض الأجهزة ذات مزودات الطاقة الحديثة، مثل شواحن الهواتف الأصلية، وشواحن الحواسيب المحمولة، وبعض لمبات الليد الجيدة، فقد تكون أكثر تحملًا نسبيًا إذا كان مكتوبًا عليها أنها تعمل في نطاق فولت واسع، مثل 100–240 فولت أو ما يشبه ذلك. ومع ذلك، فهذا لا يعني أنها محصنة من الخطر، خاصة عند الارتفاعات المفاجئة أو التذبذب الشديد؛ ولذلك يبقى الأصل هو قراءة المواصفات، وتجنب الأجهزة الرديئة، وعدم ترك الأجهزة الحساسة موصولة عند عودة الكهرباء المضطربة.
ولا تقل التوصيلات المنزلية أهمية عن الجهاز نفسه. فالأسلاك الضعيفة أو القديمة، والوصلات المرتخية، والمشتركات الرخيصة، والقواطع غير المناسبة، كلها قد تسبب سخونة أو شررًا أو تلفًا في الأجهزة. ولا يجوز تشغيل المكيف أو الثلاجة أو المضخة عبر مشترك ضعيف. كما لا يجوز تجاوز القاطع الكهربائي أو إلغاء وسائل الحماية؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى احتراق الأسلاك أو نشوب حريق.
ومن المصطلحات المهمة هنا “التأريض”. والتأريض، ببساطة، هو وجود مسار أمان يوجّه التيار المتسرّب أو تيار الخلل إلى الأرض بدل أن يمر في جسم الإنسان أو يبقى في جسم الجهاز المعدني. وهو لا يعمل وحده بمعزل عن بقية وسائل الحماية، بل يكون أكثر فاعلية عندما تُركّب معه القواطع وأجهزة الحماية المناسبة. وغياب التأريض يزيد خطر الصعق الكهربائي، خاصة في الأجهزة ذات الجسم المعدني، مثل الثلاجات والغسالات وسخانات المياه والأفران الكهربائية والمضخات وبعض المكيفات وماكينات الورش، ولا سيما إذا كانت تعمل في أماكن رطبة أو بتوصيلات ضعيفة. لذلك فإن إصلاح التوصيلات وتركيب القواطع والتأريض يجب أن يتم بواسطة فني مؤهل، لا بالاجتهاد العشوائي.
كما أن الصيانة الدورية للمكيفات والثلاجات ضرورة في ظروف الكهرباء السيئة. فتنظيف فلاتر المكيف، وتنظيف الأجزاء الخارجية والداخلية من الغبار، وفحص المكثفات الكهربائية، كلها أمور تقلل العبء على الجهاز. والمكثف الكهربائي قطعة تساعد بعض المحركات أو الضواغط على بدء التشغيل والعمل بكفاءة، فإذا ضعف أو انتفخ أو تسرب، صار علامة خطر. ومن العلامات التي يجب عدم تجاهلها سماع طنين من الثلاجة أو المكيف دون أن يعمل الجهاز بصورة طبيعية. في هذه الحالة لا ينبغي تكرار التشغيل، بل يجب فصل الجهاز واستدعاء فني.
وعلى الفنيين أنفسهم أن ينتبهوا إلى أن كثيرًا من الأعطال ليس سببه الجهاز وحده، بل قد يكون سببه ضعف الفولت أو سوء التوصيلات أو غياب الحماية. لذلك لا يصح أن يحكم الفني على تلف الضاغط أو المحرك قبل أن يقيس الفولت، ويفحص القاطع، والأسلاك، والمكثف، وجهاز الحماية. التشخيص الصحيح يوفر على المواطن مالًا كثيرًا ويمنع تكرار العطل.
وهناك جانب آخر يتعلق بطريقة استخدام الكهرباء. لا ينبغي تشغيل عدة أحمال كبيرة في وقت واحد، مثل المكيف والغسالة والسخان والمكواة والفرن، لأن ذلك يزيد الضغط على توصيلات المنزل والشبكة العامة. كما أن ضبط المكيف على 24 أو 25 درجة أفضل غالبًا من ضبطه على 16 أو 18؛ لأن خفض الدرجة كثيرًا لا يعني بالضرورة تبريدًا أسرع، بل يجعل الضاغط يعمل مدة أطول، فيزيد الاستهلاك والإجهاد. واستخدام المروحة مع المكيف، وإغلاق الأبواب والنوافذ، وتظليل الشبابيك، وعزل السقف أو سد الفتحات، كلها وسائل بسيطة تقلل استهلاك الكهرباء وتحمي الجهاز.
أما الطاقة الشمسية، فهي خيار مهم، لكنها تحتاج فهمًا صحيحًا. ليس كل إنفرتر شمسي يصلح لعلاج ضعف الفولت. والإنفرتر هو جهاز يحوّل كهرباء الألواح أو البطاريات إلى كهرباء مناسبة لتشغيل الأجهزة، لكنه لا يكون مثبتًا للجهد إلا إذا كانت هذه الخاصية موجودة فيه صراحة. وتشغيل مكيف تقليدي بالطاقة الشمسية يحتاج نظامًا كاملًا مصممًا بصورة صحيحة، يشمل ألواحًا كافية، وإنفرترًا مناسبًا، وبطاريات إذا أريد التشغيل ليلًا، والبطاريات من أغلى مكونات النظام. لذلك قد يكون الأفضل أن تبدأ الأسر بالطاقة الشمسية للأحمال الخفيفة والضرورية، مثل الإنارة والمراوح وشحن الهواتف والراوتر، ثم تتوسع بعد ذلك بتصميم صحيح.
وعلى مستوى المنشآت الكبيرة، مثل المصانع والورش ومخازن التبريد، هناك أهمية لما يسمى تصحيح معامل القدرة. ومعامل القدرة، ببساطة، هو مقياس يوضح مدى كفاءة المنشأة في استخدام الكهرباء دون هدر يضغط على الشبكة. فإذا كان ضعيفًا، زاد التيار والفقد وسخونة الكابلات والمحولات، وقد يساهم ذلك في ضعف الجهد في المنطقة، خاصة إذا كانت المنشأة كبيرة والشبكة ضعيفة. وتركيب بنوك المكثفات ولوحات التصحيح الأوتوماتيكي لا ينتج كهرباء جديدة، لكنه يحسن استخدام الكهرباء الموجودة، ويقلل التيار غير الضروري، ويخفف الضغط على الشبكة.
ومن واجب الدولة أن تنظر إلى هذه القضية بوصفها جزءًا من أمن الناس ومعاشهم، لا مجرد خدمة فنية. فالكهرباء لا تشغل المكيفات فقط، بل تشغل محطات المياه والآبار والمستشفيات والصيدليات ومخازن الغذاء والدواء. وضعف الكهرباء قد يعني شحًا في المياه، وتلفًا في الطعام، وتعطلًا في العلاج، وخسائر في الإنتاج. لذلك فإن استقرار الكهرباء لمحطات المياه والمرافق الصحية ومخازن التبريد يجب أن يكون أولوية قصوى.
كما يجب على الدولة ضبط سوق أجهزة الحماية والمثبتات والإنفرترات وما يسمى بالمكيفات الشمسية، ومنع الغش والمواصفات الوهمية، وإلزام التجار ببيان القدرة الحقيقية ونطاق الفولت والضمان والصيانة. وينبغي كذلك تشجيع استيراد أجهزة الحماية الجيدة، وتخفيض الرسوم عليها ما أمكن، لأنها صارت جزءًا من حماية البيوت والمنشآت في هذه الظروف.
والخلاصة أن السودان يحتاج اليوم إلى ثقافة كهربائية جديدة. ثقافة تعرف أن وصول التيار لا يعني بالضرورة أنه آمن، وأن الحماية يجب أن تسبق تشغيل الأجهزة لا أن تأتي بعد تلفها. على المواطن أن يفصل الأجهزة الحساسة عند الانقطاع، وينتظر بعد عودة التيار، ولا يشغل المكيف أو الثلاجة أو المضخة بلا حماية مناسبة، ولا يحمّل المنزل أكثر من طاقته. وعلى الفني أن يقيس الفولت ويفحص السبب قبل تغيير القطع. وعلى التاجر أن يبيع جهازًا بمواصفات واضحة لا بدعاية مضللة. وعلى الدولة أن تصلح الشبكة، وتحمي البنية الكهربائية، وتضبط الأحمال الكبيرة، وتمنع العشوائية.
فليست العبرة أن نقول: جاءت الكهرباء. السؤال الأهم: هل جاءت مستقرة وآمنة؟ وهل نستقبلها بوعي يحمي أجهزتنا وبيوتنا وشبكتنا؟ إن دقائق انتظار، وجهاز حماية جيدًا، وتوصيلات سليمة، واستخدامًا رشيدًا، قد تنقذ مال أسرة كاملة، وتخفف في الوقت نفسه الضغط على شبكة وطنية تحتاج إلى إصلاح وحماية وإدارة رشيدة.





