مقالات

المحكمة الدستورية في مرحلة ما بعد حرب الكرامة: ضرورة دستورية واستحقاق وطني

️د. الشاذلي عبداللطيف

في أعقاب حرب الكرامة، التي مثّلت لحظة فارقة في تاريخ الوطن ورسّخت معاني الصمود والدفاع عن السيادة، تبرز أمام الدولة تحديات لا تقل أهمية عن ميادين القتال، وفي مقدمتها ترسيخ دعائم دولة القانون وبناء مؤسساتها الدستورية على أسس راسخة. فمرحلة ما بعد النزاعات لا تُقاس فقط بإعادة الإعمار المادي، بل بمدى القدرة على بناء نظام قانوني متماسك يضمن الحقوق ويصون الحريات.

وفي هذا الإطار، تُمثل المحكمة الدستورية إحدى أهم ركائز النظام القانوني، بوصفها الجهة المختصة بممارسة الرقابة على دستورية القوانين، وضمان عدم تعارض التشريعات مع أحكام الدستور. كما تُجسد مبدأ سمو الدستور، وتُسهم في تكريس مبدأ الفصل بين السلطات، بما يمنع تغول أي سلطة على أخرى، ويحقق التوازن المؤسسي داخل الدولة.

إن غياب المحكمة الدستورية أو تأخر استكمال تشكيلها يترتب عليه فراغ رقابي خطير، قد يفتح المجال أمام صدور تشريعات تتعارض مع الضمانات الدستورية، أو يؤدي إلى تضارب في تفسير النصوص القانونية، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار النظام القانوني وثقة المواطنين في مؤسسات العدالة. ومن هنا، فإن استكمال تشكيل هذه المحكمة لا يُعد ترفًا مؤسسيًا، بل ضرورة دستورية ملحّة تفرضها طبيعة المرحلة.

كما أن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تعقيدات سياسية وقانونية، تتطلب وجود جهة قضائية عليا تفصل في النزاعات ذات الطابع الدستوري، سواء تلك التي تنشأ بين السلطات العامة، أو المتعلقة بحماية الحقوق والحريات الأساسية. فالمحكمة الدستورية تُعد الملاذ الأخير لضمان احترام الشرعية الدستورية، وترسيخ مبدأ خضوع الجميع—حكامًا ومحكومين—لأحكام القانون.

ومن هذا المنطلق، فإننا نناشد وزير العدل الإسراع في استكمال الإجراءات المتعلقة بتشكيل المحكمة الدستورية، بما يضمن تفعيل دورها في هذه المرحلة الدقيقة. كما نؤكد على ضرورة اختيار الصفوة من الكفاءات العلمية والقانونية، ممن يتمتعون بالخبرة العميقة والاستقلالية والنزاهة، والقادرين على إعمال نصوص الدستور بروحها ومقاصدها، لا بمجرد ظاهرها.

إن القاضي الدستوري لا يقتصر دوره على تطبيق النصوص، بل يمتد إلى تفسيرها بما يحقق العدالة ويحفظ التوازن بين الحقوق والواجبات، وهو ما يستدعي تكوين هيئة قضائية رفيعة المستوى، قادرة على مواجهة التحديات القانونية المعاصرة بكفاءة واقتدار.

وفي الختام، فإن استكمال تشكيل المحكمة الدستورية يُمثل خطوة جوهرية نحو استعادة التوازن المؤسسي، وتعزيز الثقة في النظام القضائي، وترسيخ مبادئ سيادة القانون. وهي، في جوهرها، امتداد لمعركة الكرامة، ولكن في ميدان العدالة الدستورية، حيث يكون الانتصار فيها لترسيخ الحقوق، وصون الحريات، وبناء دولة تستند إلى الدستور كمرجعية عليا لا تعلو عليها أي سلطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى