مقالات

الثروة الحيوانية بين ذكاء المؤسسة وصلاح البيئة العامة

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

طالعت عبر بعض الوسائط كلمةً منسوبةً إلى السيد وزير الثروة الحيوانية الاتحادية، بروفيسور أحمد التجاني المنصوري، وخلاصتها أنه لا يراهن على عقل الفرد وحده، مهما بلغت خبرته، وإنما يرى أن مستقبل الوزارة والقطاع والدولة إنما يُبنى بالعقول الجماعية، وباستثمار طاقات الموظفين المبدعين داخل المؤسسة، وبإشراكهم في التفكير والتطوير وصناعة القرار. وقد ورد في هذا السياق تكوين فريق للابتكار والتطوير الاستراتيجي داخل وزارة الثروة الحيوانية، يضم ثلاثين موظفًا وموظفة، ليكون بمثابة غرفة تفكير تنفيذية تناقش التحديات الحقيقية، وتقترح حلولًا عملية في ملفات الخطة الخمسية، والمدن الإنتاجية، وتبسيط الإجراءات، وتطوير الخدمات، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وزيادة الإنتاج والصادرات وتحسين بيئة الاستثمار.

وهذا التوجه، من حيث الأصل، محمود ومبشر، ويستحق التقدير؛ لأنه ينقل التفكير الإداري من منطق القرار الفردي إلى منطق العقل المؤسسي. فالثروة الحيوانية في السودان ليست قطاعًا هامشيًا ولا موردًا ثانويًا، بل هي أحد أعظم مفاتيح الاقتصاد الوطني، بما يمكن أن يتولد عنها من لحوم وألبان وجلود وصناعات تحويلية وصادرات وفرص عمل وسلاسل قيمة واسعة. وقطاع بهذا الحجم لا ينهض بالعفوية ولا بالمبادرات المتفرقة، بل يحتاج إلى عقل مؤسسي، وبيانات دقيقة، وخطط منضبطة، وفرق عمل ميدانية، وقدرة على تحويل الفكرة إلى برنامج، والبرنامج إلى إجراء، والإجراء إلى نتيجة قابلة للقياس.

وقد أحسن السيد الوزير حين أشار إلى أن أعظم ثروة داخل الوزارة ليست فقط الحيوان والمراعي، بل العقول العاملة فيها. فكم في مؤسسات الدولة من موظفين نابهين مخلصين، يعرفون مواضع الخلل بحكم المعايشة اليومية، ولكنهم لا يجدون قناة منظمة لإيصال أفكارهم، أو يخنقهم الروتين، أو تُغلق أمامهم الأبواب بسبب ثقافة إدارية لا تستمع إلا من أعلى، ولا ترى في الموظف إلا منفذًا للتعليمات. ولذلك فإن فتح نافذة مؤسسية للاستماع إلى أصحاب المبادرة يمكن أن يبعث روحًا جديدة داخل الوزارة، ويحوّل الموظف من رقم إداري إلى شريك في التفكير والإصلاح.

غير أن تمام نجاح مثل هذه الخطوة لا يقف عند حسن طرحها، وإنما يكتمل بتحولها إلى منهج مؤسسي منضبط. ففرق التفكير لا تنجح بمجرد اختيار الأذكياء والمبادرين، بل تحتاج إلى معايير اختيار واضحة، وتنوع في الخبرات والتخصصات، وربط بالولايات والميدان، وصلاحيات محددة، ومحاضر اجتماعات، ومؤشرات أداء، وجدول زمني، وآلية لمتابعة التنفيذ، ونشر ما يمكن نشره من النتائج بشفافية، والأهم من ذلك كله أن تُبنى داخل نظام ضبط مؤسسي حديث لإدارة الوزارة؛ حتى لا تبقى الأفكار معلقة على حماسة الأفراد، بل تتحول إلى إجراءات وقرارات ومسؤوليات ومراجعة ونتائج.

ومن المهم كذلك ألا يكون الاختيار قائمًا فقط على ترشيح رؤساء الإدارات؛ لأن هذا الباب، مع أهميته، قد يحرم بعض الكفاءات الصامتة أو غير القريبة من دوائر الإدارة المباشرة. والأوفق أن يجمع الاختيار بين ترشيح الإدارات، وفتح باب التقديم الداخلي، وتقييم الأفكار، وسجل الأداء، والمقابلات المهنية، حتى يشعر العاملون أن الفرصة عادلة ومفتوحة، لا محصورة في من تعرفهم القيادات الإدارية. فالابتكار لا يأتي دائمًا من الأعلى، ولا من الأكثر ظهورًا، بل كثيرًا ما يأتي من موظف ميداني يعرف موضع الخلل لأنه يصطدم به كل يوم.

كما أن ربط الفريق بمشروعات الخطة الخمسية والمدن الإنتاجية والتحول الرقمي وتبسيط الإجراءات أمر مهم، لكنه يحتاج إلى ترتيب أولويات. فالوزارة لا تحتاج في البدء إلى أفكار كثيرة، بل إلى عدد محدود من الملفات الحاسمة التي تُدار بصرامة، وعلى رأسها صحة الحيوان والتحصين، وتحسين السلالات، والأعلاف، والمسالخ، والمحاجر، والصادر، وسلاسل التبريد، وقواعد البيانات، والخدمات البيطرية، والاستثمار، ومكافحة الرسوم والتعقيدات التي تضعف القطاع؛ لأن ترتيب الأولويات هو الذي يحفظ الجهد من التشتت، ويجعل النتائج أقرب إلى التحقق والقياس.

والحديث عن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي مهم ومطلوب، لكنه ينبغي أن يوضع في موضعه الصحيح. فالوزارة تحتاج أولًا إلى بناء القاعدة التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل فوقها: بيانات صحيحة عن القطيع، وخرائط للمراعي والمياه، ونظام رقمي للتحصين والحركة الحيوانية، وتتبع للماشية والصادر، وربط للمحاجر والمسالخ والمعامل، ومنصة لخدمات المستثمرين والمربين، ونظام واضح للرسوم والإجراءات. وهذه الأعمال يمكن أن تستعين بالذكاء الاصطناعي في جمع البيانات وتنظيفها وتحليلها وتسريع بعض إجراءاتها، لكنها لا تقوم عليه وحده، بل تحتاج قبله ومعه إلى حوكمة وتنظيم ورقمنة جادة وموظفين مدربين وإرادة إدارية تمنع أن تتحول الرقمنة إلى واجهة شكلية فوق فوضى قديمة. وبعد قيام هذه القاعدة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف قيمة أكبر في التنبؤ بالأوبئة، وتحليل حركة القطيع، وتقدير احتياجات الأعلاف والمياه، وتحسين قرارات الصادر والاستثمار.

ومن الناحية المعيارية، فإن هذه المبادرة لا ينبغي أن تبقى محصورة داخل الوزارة وحدها، بل يحسن أن تنفتح على الجامعات، ومراكز البحوث، والولايات، واتحادات المنتجين، والمصدرين، والأطباء البيطريين، وخبراء الاقتصاد وسلاسل القيمة. فالثروة الحيوانية ليست شأنًا إداريًا مكتبيًا، بل منظومة واسعة تبدأ من الراعي والمربي والماء والعلف، وتمر بالصحة الحيوانية والنقل والمسالخ والتصنيع، وتنتهي بالسوق المحلي والتصدير والمعايير الدولية. وكل حل لا يستصحب هذه السلسلة كاملة سيبقى جزئيًا، ولو بدا في ظاهره جيدًا.

والأجمل في حديث الوزير قوله إنه لا يبحث عمّن يوافقه الرأي دائمًا، بل عمّن يملك الشجاعة ليقدم فكرة أفضل أو ينبه إلى خطأ قبل أن يتحول إلى مشكلة. وهذه عبارة مهمة جدًا؛ لأن المؤسسات لا تنهض بثقافة التصفيق، ولا تتطور حين يخاف الموظف من إبداء رأيه. غير أن ثقافة النقد داخل المؤسسات لا تنشأ بالأمنيات، بل بالحماية والثقة والضمانات المؤسسية. فلا بد أن يشعر عضو الفريق أن رأيه لن يضره، وأن نقده لن يُفسر عصيانًا، وأن الاختلاف المهني جزء من الإصلاح لا تهديد للقيادة. عندها فقط يمكن أن يتحول الفريق إلى عقل مؤسسي حقيقي، يثري القرار ويدعم جودة تنفيذه.

والمطلوب الآن أن تُترجم الفكرة إلى برنامج عمل واضح: ما أول ثلاثة تحديات سيعمل عليها الفريق؟ ما المخرجات المطلوبة كل مائة يوم؟ ما المؤشرات التي سيُقاس بها النجاح؟ ما القرارات التي ستصدر بناءً على توصياته؟ وكيف سيعرف العاملون والمربون والمستثمرون أن شيئًا تغير في الواقع؟ فالمؤسسات الحديثة لا تكتفي بإطلاق المبادرات، بل تربطها بنتائج قابلة للمراجعة والمساءلة، وتقيس ما تحقق، وتراجع ما تعثر، وتصحح الطريق بانتظام.

ومع كل هذا التقدير للمبادرة، فإن الركن الأعظم في الوصول إلى نتائج حقيقية وثمار واقعية يبقى هو صلاح البيئة العامة التي تعمل داخلها الوزارة والقطاع والدولة كلها. فالأفكار الجيدة، والفرق الذكية، والخطط الخمسية، والمدن الإنتاجية، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، كلها يمكن أن تُحدث وميضًا وتفتح أفقًا إذا بقيت البيئة العامة مختلة، لكنها لا تصنع نهضة مستقرة ولا نتائج مستدامة إلا إذا وجدت بيئة صحيحة تحملها وتحميها. ولذلك فإن إصلاح البيئة العامة يجب أن ينزل متوازيًا لا متواليًا؛ لأن إصلاح جزء وترك الأجزاء الأخرى مختلة يجعل أثر الإصلاح محدودًا أو مؤقتًا أو عاجزًا عن الوصول إلى غايته.

فالمستثمر والمربي والمصدر لا يواجهون نقص الأفكار فقط، بل يواجهون تعقيد الإجراءات، وتعدد الرسوم، وضعف البنى التحتية، واضطراب سعر الصرف، وصعوبة التمويل، ومشكلات النقل، وضعف الخدمات البيطرية، وتداخل الصلاحيات بين المركز والولايات. فإذا صلحت هذه البيئة بحزمة واحدة متوازية من حوكمة ورقمنة ووضوح قوانين ولوائح، وتوحيد رسوم، وتسهيل استثمار، وحماية عقود، وعدالة ناجزة، وثقة مصرفية، وسعر صرف حر شفاف عبر منصة مركزية معلنة وفق العرض والطلب، أمكن لخطط الوزارة أن تؤتي ثمارها متى أُحكمت إدارتها. أما إذا بقيت البيئة مختلة، فإن أثر المبادرات، مهما حسنت، قد يبقى محدودًا أو مؤقتًا، لا لضعفها في ذاتها، بل لضيق البيئة الحاملة لها.

ومن هنا فإن دور الوزير الأعظم لا يقف عند إدارة وزارته وحدها، على أهمية ذلك، بل يمتد إلى أن يجعل من موقعه صوتًا إصلاحيًا داخل الدولة كلها، يدفع باتجاه إصلاح البيئة العامة التي بدونها تتعثر قطاعات الإنتاج جميعًا. فوزارة الثروة الحيوانية تستطيع أن تطور خططها ومشروعاتها، وأن تبني فرقها، وأن تحسن أداءها الداخلي، لكن ملفات سعر الصرف، وتوحيد الجبايات، وإصلاح القضاء، ورقمنة أجهزة الدولة، وإعادة الثقة إلى المصارف، كلها ملفات تتجاوز اختصاص وزارة واحدة، وإن كان نجاح مشروعات الوزارة وسائر الوزارات وقطاعات البلاد كلها رهينًا بتحسنها ضمن حزمة إصلاح واحدة متوازية لا متوالية. غير أن الوزير، بحكم موقعه وخبرته ومسؤوليته، يستطيع أن يرفع صوته، ويعرض رؤيته، ويبذل جهده لإقناع بقية أجهزة الدولة بأن إصلاح البيئة العامة ليس ترفًا إداريًا، بل شرط نجاح كل وزارة وكل مشروع وكل قطاع.
وليس ما سبق من باب التوجيه للسيد الوزير، ولا من باب الاستدراك على ما طرحه، وإنما هو مشاركة في همٍّ عام وتذكير بما قد يكون حاضرًا أصلًا في رؤيته وخططه، وإن لم تفصّله كلمته المختصرة. وحسب ما بدا من طرحه، فإن الرجل يمضي في اتجاه محمود، يقدّر قيمة العقل المؤسسي، ويدرك أن مستقبل الوزارة لا يصنعه فرد وحده، وإنما تصنعه مؤسسة حية وطاقات وطنية موثوقة.

وبالجملة، فإن ما طرحه بروفيسور أحمد التجاني المنصوري اتجاه محمود ومبشر، يفتح بابًا مهمًا لإحياء الذكاء المؤسسي داخل الوزارة، واستثمار العقول الوطنية، وبناء ثقافة العمل الجماعي. غير أن النجاح الحقيقي مرهون، قبل كل شيء، بصلاح البيئة العامة بالتوازي لا بالتوالي، ثم بالمعايير، والشفافية، والربط بالميدان، وحماية الرأي المهني، ووضوح الأولويات. فإذا صلحت البيئة، وأُحكمت الإدارة، فقد تكون هذه المبادرة بداية نهج جديد في مؤسسات الدولة، لا مجرد فريق داخل وزارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى