
ليس الملح عدوًّا مطلقًا للإنسان، ولا يمكن الحديث عنه كما لو كان مادةً دخيلةً لا حاجة للجسد بها؛ فالملح في أصله جزءٌ من توازن البدن، وله دورٌ في السوائل والأعصاب والعضلات، ولا تخلو منه حياة الناس ولا مطابخهم. ولكن المشكلة تبدأ حين ينتقل الملح من قدر الحاجة إلى عادة الإفراط، ومن تحسين الطعم إلى السيطرة على الذوق، ومن إضافةٍ قليلةٍ نافعةٍ إلى عبءٍ يوميٍّ لا ينتبه إليه الإنسان إلا بعد أن يشتكي من ارتفاع الضغط، أو احتباس السوائل، أو تعب القلب والكلى، أو اضطرابٍ صحيٍّ كان يمكن تخفيف بعض أسبابه لو عرفت المائدة قدرها وحدودها.
ومن دقة الإسلام في نظرته إلى النعم أنه لا يذم الشيء لمجرد وجوده، ولا يفتح الباب لاستهلاكه بلا ضابط. فالطيبات مباحة، ولكنها لا تنفصل عن معنى الاعتدال. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. وإذا كانت هذه الآية قد ذُكرت في أصل السلسلة بوصفها قاعدة عامة، فإن حضورها هنا ليس تكرارًا عارضًا، بل لأنها أليق ما يكون بمادةٍ لا يستغني عنها الإنسان، لكنها تنقلب بالإسراف إلى ضرر. فالملح ليس ممنوعًا، كما أن الطعام والشراب ليسا ممنوعين، ولكن الإسراف هو موضع الخلل.
والناس غالبًا لا يقعون في مشكلة الملح من الوجبة الواحدة، بل من التراكم الطويل. فاللسان يتدرّب على الملوحة كما يتدرّب على الحلاوة، فإذا اعتاد الطعام شديد الملح صار الطعام المعتدل في نظره بلا طعم. ثم يدخل الإنسان في حلقةٍ خفية: يزيد الملح اليوم لأن الطعام بدا له ناقصًا، ثم يطلب غدًا ملوحةً أعلى، حتى يصير القدر الزائد هو المعتاد، ويصير الاعتدال غريبًا. وهكذا لا يكتفي الملح بأن يدخل الطعام، بل يربي الذوق على طلب المزيد منه. وللملح الخفي قصة تشبه قصة السكر الخفي، وإن اختلفت آثاره. فقد يظن الإنسان أنه لا يكثر من الملح لأنه لا يضع كثيرًا منه بيده، ولكنه يأخذه من أطعمةٍ جاهزة ومعلبة ومحفوظة، ومن المخللات، والجبن شديد الملوحة، واللحوم المصنعة، والصلصات، ومكعبات النكهة، والوجبات السريعة، والمقرمشات، وبعض الخبز والمخبوزات.
فإذا اجتمع الملح الذي يوضع في الطبخ مع الملح الموجود أصلًا في المنتجات الجاهزة، ومع الملح الذي يضاف على المائدة بعد الطبخ، صار المجموع أكبر مما يتصوره الإنسان. وفي القرآن الكريم لفتة عجيبة إلى اختلاف الماء بين عذبٍ فرات وملحٍ أجاج، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: 12]. والآية في سياقها آية من آيات القدرة والخلق، وليست نصًا في التغذية، لكنها توقظ في النفس معنى الفرق بين ما يلائم البدن وما يثقله. فالعذوبة والسلاسة والاعتدال قريبة من الفطرة، أما شدة الملوحة فليست هي الأصل في الشراب ولا في غذاء الإنسان اليومي.
ومن هنا فإن الذوق السليم يحتاج أن يرجع إلى الاعتدال، وأن لا يجعل اللسان أسيرًا للطعم الحاد. وليس ارتفاع ضغط الدم أمرًا هينًا، لأنه قد يأتي صامتًا لا يشعر به صاحبه في البداية، ثم تظهر آثاره في القلب والدماغ والكلى والشرايين. وليس الملح هو السبب الوحيد للضغط، فهناك الوراثة، والعمر، والوزن، وقلة الحركة، والتوتر، وأمراض أخرى، ولكن الإفراط في الملح عامل مهم عند كثير من الناس، وتقليله من أسهل الأبواب التي يملكها البيت دون تكلفة كبيرة. فليس مطلوبًا أن يشتري الإنسان دواءً غاليًا أو طعامًا فاخرًا لكي يبدأ، بل يكفي أن تنقص اليد قليلًا مما تعوّدت أن ترميه في القدر والطبق. وقد قرر الشرع قاعدةً جامعة في دفع الضرر، جاء في الحديث: «لا ضرر ولا ضرار».
وهذا الأصل، وإن كان واسعًا في أبواب المعاملات والسلوك، فإنه يصدق من جهة المعنى على كل عادةٍ يثبت ضررها أو يغلب ضررها على نفعها. فالذي يعرف أن الملح الزائد يضر ضغطه أو قلبه أو كليته، ثم يستمر في طعامٍ شديد الملوحة بحجة العادة والذوق، لا يتعامل مع جسده بوصفه أمانة، ولا مع النعمة بوصفها شيئًا يُشكر بحسن الاستعمال. ومن أخطاء البيوت أن الملح يوضع أحيانًا في الطعام قبل تذوقه، ثم يضاف إليه بعد الطبخ على المائدة. وبعض الناس لا يبدأ الأكل حتى يرشّ الملح، كأن هذه الحركة جزءٌ من الوجبة لا من الحاجة. وهذا السلوك البسيط ظاهره قليل، لكنه مع التكرار يرفع مستوى الملوحة في الطعام ويجعل اللسان لا يقبل الاعتدال. ومن الحكمة أن نخرج علبة الملح من مركز المائدة، وأن لا نعلّم الطفل رش الملح قبل أن يتذوق، وأن نعطي الطعام فرصة أن يُعرف بطعمه الحقيقي لا بما نغرقه فيه من إضافات.
وفي المطبخ السوداني، توجد أطعمة عظيمة القيمة، لكن الملح الزائد قد يفسد بعض فوائدها. فالويكة، والعدس، والفول، والخضروات، واللحوم، والأسماك، واللبن، والسلطات، كلها يمكن أن تكون أبوابًا للصحة إذا أُحسن إعدادها، لكنها تفقد شيئًا من ميزانها حين تطغى الملوحة، أو حين تصاحبها المخللات المالحة باستمرار، أو حين تُضاف مكعبات النكهة والصلصات الجاهزة بكثرة.
ولا يحتاج إصلاح ذلك إلى انقلابٍ في المطبخ، بل إلى تقليلٍ متدرج، وتعويض الطعم بوسائل أخرى مثل الليمون، والبصل، والثوم، والبهارات الطبيعية، والأعشاب، وحسن الطبخ، بدل الاعتماد الكلي على الملح. وقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]. وهذه الآية تذكّر بأن الطعام رزقٌ مرتبط بالمسؤولية والرجوع إلى الله، لا مجرد استهلاكٍ بلا حساب. ومن تمام شكر الرزق أن لا نفسده بالإفراط فيما يخرجه عن نفعه. فالطعام النافع إذا أغرقناه في الملح والدهون والبهارات الحادة حتى صار مهيجًا للجسد ومثقلاً له، فقد ظلمنا الرزق من حيث نظن أننا نحسّنه.
والأطفال إذا تربوا على الملح العالي كبر معهم هذا الذوق، كما يكبر معهم حب السكر العالي. ومن الخطأ أن يظن البيت أن الطفل لا يأكل إلا إذا جعلنا الطعام شديد الطعم. الطفل يتعلم من البداية. فإذا قُدم له الطعام معتدلًا، واعتاد طعم الخضروات والبقول واللحوم والحبوب دون إغراق، صار الاعتدال جزءًا من فطرته الغذائية. أما إذا أُدخل مبكرًا في عالم المقرمشات المالحة والصلصات والمنتجات الجاهزة، صار طعام البيت البسيط في نظره ناقصًا، وبدأت معركة طويلة بين صحة الجسد وإغراء السوق.
ومن جهة أخرى، لا يصح أن نبالغ فنخيف الناس من الملح حتى يظنوا أن تركه تمامًا هو الحل لكل أحد. فالجسد يحتاج إلى قدر من الأملاح، وبعض الناس قد يتعرضون لفقد سوائل وأملاح بسبب الحر الشديد أو العمل الشاق أو المرض أو الإسهال أو القيء أو غير ذلك. لكن هذا شيء، والإفراط اليومي في الملوحة شيء آخر. والمريض، خاصة من لديه ضغط أو أمراض كلى أو قلب أو يتناول أدوية معينة، ينبغي أن يرجع إلى طبيبه في مقدار ما يناسبه، لأن النصيحة العامة لا تغني عن الحال الخاصة.
وقد جاء في الحديث الصحيح: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، ومع أن الحديث يتحدث عن الإتقان في العمل عمومًا، فإن من معاني الإتقان في البيت أن يُدار الطعام بعلمٍ ورفقٍ وتدرج، لا بعادةٍ عمياء. فالطبخ ليس مجرد إسكات الجوع، بل صناعة صحة يومية. والمرأة أو الرجل الذي يطبخ لأهلهما إنما يصنعان، من حيث يشعران أو لا يشعران، جزءًا من مستقبل صحتهم. ومن الإتقان هنا أن يُوزن الملح، وأن لا يترك للعادة وحدها، وأن يُراعى الكبير والمريض والطفل، وأن يعتاد البيت كله مستوى أهدأ من الملوحة. وليس تقليل الملح صعبًا كما يظن بعض الناس، لكنه يحتاج إلى التدرج.
فاللسان إذا اعتاد الملوحة العالية لا يقبل النقص المفاجئ بسهولة، لكنه يتغير مع الوقت. يمكن أن ننقص ربع الكمية أولًا، ثم ننقص أكثر بعد أسابيع، وأن نستخدم الليمون والبهارات الطبيعية لتقوية الطعم، وأن نغسل بعض الأطعمة المالحة أو ننقعها عند الحاجة، وأن نقلل المخللات والجبن شديد الملوحة، وأن نقرأ الملصقات الغذائية حين تكون متاحة، وأن نحذر من المنتجات التي تبدو صغيرة لكنها مركزة الملح. والقرآن الكريم يربط النعمة دائمًا بالشكر، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [سبأ: 15]. والشكر ليس لفظًا باللسان فقط، بل هو استعمال النعمة فيما ينفع، وكفّها عما يضر، وحفظ الجسد الذي ينتفع بها. فإذا عرف الإنسان أن عادةً معينة تؤذيه، فترك شيئًا منها لله، وحفظًا لبدنه، ورحمةً بأهله، كان ذلك من الفقه العملي في شكر النعمة. وفي المجالس والضيافة ينبغي أن نتعلم كرمًا أذكى. فكما أن الحلوى الكثيرة ليست هي الكرم الكامل، كذلك الطعام شديد الملوحة ليس علامة جودة. يمكن أن تكون المائدة كريمةً وهي معتدلة، غنيةً بالخضرة والبقول واللحم أو اللبن أو ما تيسر، قليلةً في الملح الزائد، واضحةً في احترام أحوال الناس.
وقد يكون بين الضيوف مريض ضغط أو قلب أو كلى يستحي أن يصرح، فإذا جعلنا الطعام معتدلًا رحمناه دون أن نحرجه. ومن أنفع الأسئلة العملية قبل الطبخ وبعده: هل أضفت الملح لأن الطعام يحتاجه فعلًا أم لأن يدي اعتادت ذلك؟ هل يمكن أن أعوض جزءًا من الطعم بالليمون أو التوابل الطبيعية؟ هل أستخدم مكعبات النكهة والصلصات المالحة فوق الملح العادي؟ هل يوجد على المائدة مخللٌ دائم؟ هل يرش الأطفال الملح قبل التذوق؟ هل يشتكي بعض أهل البيت من الضغط أو التورم أو العطش المستمر؟ هذه الأسئلة الصغيرة تفتح باب إصلاح كبير.
إن الملح الأبيض مثال واضح على أن الشيء النافع في قدره قد يصبح ضارًا عند تجاوزه. فلا هو عدو نطرده، ولا صديق نترك له قيادة المائدة بلا حساب. الحكمة أن يبقى في موضعه: خادمًا للطعام لا سيدًا عليه، قدرًا محدودًا لا عادةً متفلتة، إضافةً محسوبة لا طعمًا طاغيًا يربّي اللسان على الشدة ويثقل البدن مع الزمن. وهكذا يكون الغذاء صحةً حين يعرف البيت مقدار الملح، ويكون مرضًا حين تستسلم المائدة للملوحة الخفية والظاهرة معًا. ومن بدأ بتقليل الملح اليوم، لم يحرم نفسه الطعم، بل أعاد تدريب ذوقه على الاعتدال. والاعتدال هنا ليس نصيحةً غذائية فحسب، بل أدبٌ مع النعمة، ورحمةٌ بالجسد، وحكمةٌ في إدارة ما يدخل إلى البيت كل يوم.



