السودان والبحر الأحمر: من الموقع الخامد إلى الاقتصاد الصاعد
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

لا تصنع الجغرافيا نهضةً وحدها، ولكنها تمنح الأمم فرصة كبرى إذا وجدت دولةً تعرف كيف تقرأ موقعها، وتحسن تحويله إلى اقتصاد، وأمن، وتجارة، وصناعة، واستثمار. ومن هذه الزاوية ينبغي أن ينظر السودان إلى موقعه على البحر الأحمر؛ لا بوصفه مجرد ساحل على الخريطة، ولا منفذًا بحريًا للصادر والوارد فحسب، بل بوصفه أحد المفاتيح الممكنة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني إذا أُحسن التخطيط، واستقامت الإدارة، وتوفرت الإرادة. فالموقع لا يخمد بطبيعته، وإنما تخمد آثاره حين تغيب الرؤية وتضعف الإدارة؛ فإذا وُجدت الدولة المنظمة تحولت الجغرافيا الساكنة إلى اقتصاد صاعد.
فالسودان لا يقع على هامش طرق التجارة والطاقة، بل يطل على ممر بحري بالغ الأهمية، قريب من مراكز كبرى لإنتاج الطاقة، ومفتوح على العالم العربي وآسيا، ومتصل من الداخل بامتداد أفريقي واسع. وفي الوقت نفسه يملك أرضًا زراعية، وثروة حيوانية، ومعادن، ومياهًا، وسكانًا قادرين على العمل والإنتاج. وهذه العناصر، إذا اجتمعت في مشروع دولة منظم، يمكن أن تجعل من البحر الأحمر رافعة اقتصادية لا مجرد حدود بحرية.
لقد أثبتت تطورات الأعوام الأخيرة أن الممرات البحرية ليست شأنًا جغرافيًا عاديًا، بل جزء من الأمن الاقتصادي العالمي. فعندما تضطرب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، لا يتأثر بلد واحد، بل تتأثر سلاسل الإمداد، وترتفع تكاليف النقل والتأمين، وتطول مسارات السفن، ويشعر المنتج والمستهلك في أسواق بعيدة بنتائج ذلك الاضطراب. وهذا يعني أن الدول المطلة على هذه المنطقة لا ينبغي أن تنظر إلى موقعها بعين الاعتياد، بل بعين التخطيط الاستراتيجي.
وتشير تقارير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن نحو 80% أو أكثر من حجم تجارة السلع العالمية يُنقل بحرًا، وهي حقيقة تكفي وحدها لفهم قيمة الموانئ والممرات البحرية في عالم اليوم. كما أن اضطرابات البحر الأحمر الأخيرة أظهرت كيف يمكن لأي خلل أمني في الممرات البحرية أن ينعكس سريعًا على التجارة والطاقة والأسعار. ومن هنا فإن السودان، وهو يقف على الضفة الغربية للبحر الأحمر، يملك موقعًا لا يصح أن يبقى أقل من قدره.
غير أن الموقع، مهما كان مهمًا، لا يتحول تلقائيًا إلى قوة. فكم من دولة امتلكت موانئ وسواحل وبقيت فقيرة، وكم من دولة صغيرة المساحة محدودة الموارد استطاعت أن تصنع من موقعها شأنًا عالميًا. سنغافورة لم تصبح مركزًا تجاريًا ولوجستيًا لأنها تملك موارد طبيعية هائلة، بل لأنها بنت حول موقعها منظومة قانون، وميناء، وخدمات، وثقة، وكفاءة، وانفتاح منضبط. وجيبوتي، في محيط البحر الأحمر والقرن الأفريقي، استفادت من موقعها عبر الموانئ والمناطق الحرة والخدمات اللوجستية، رغم أنها لا تملك من الموارد الزراعية والحيوانية والمعدنية ما يملكه السودان. وليست هذه النماذج دعوة إلى النسخ الحرفي، فلكل بلد ظروفه، لكنها تؤكد قاعدة واضحة: الموقع لا يعمل بذاته، وإنما يعمل حين تحيط به دولة منظمة ومؤسسات فاعلة.
ومن هنا فإن فرصة السودان لا ينبغي أن تُختزل في عبور السفن أو استقبال الوقود أو انتظار استثمارات عابرة. الفرصة الأعمق أن يتحول الساحل السوداني إلى جزء من منظومة اقتصادية متكاملة: موانئ أكثر كفاءة، ومناطق حرة حقيقية، ومخازن وقود استراتيجية وفق معايير السلامة والبيئة، وخدمات تموين وصيانة للسفن، ومراكز للتخزين والتوزيع، وصناعات تصديرية، وربط بري وسككي بين الميناء ومناطق الإنتاج الزراعي والحيواني والمعدني في الداخل.
وعند هذه النقطة تتضح أهمية الربط بين البحر الأحمر والاقتصاد الداخلي. فبورتسودان لا ينبغي أن تكون مجرد بوابة لاستيراد ما يستهلكه الناس، بل نهاية سلسلة إنتاج وطنية تبدأ من الحقول والمراعي والمناجم والمصانع، ثم تمر عبر التخزين والتصنيع والتعبئة والنقل، وتنتهي في الأسواق الخارجية. فالسمسم لا ينبغي أن يخرج خامًا فقط، بل زيوتًا ومنتجات غذائية. والثروة الحيوانية لا ينبغي أن تخرج حية فقط، بل لحومًا مبردة ومجمدة ومصنعة وفق شهادات صحية عالمية. والذهب لا ينبغي أن يتحرك عبر قنوات مضطربة، بل عبر منظومة شفافة تضبط التهريب، وتحفظ حق المنتج والدولة والمستثمر.
وهنا يصبح الحديث عن الموانئ حديثًا عن الدولة كلها، لا عن منشآت بحرية وحدها. فالميناء لا ينجح إذا كان التخليص بطيئًا، والرسوم متعددة، والقرارات متقلبة، والعملة مضطربة، والفساد حاضرًا في التفاصيل. والمستثمر الجاد لا تكفيه الوعود، بل يحتاج إلى قانون واضح، وسعر صرف معلن حرّ غير مقيد، تُتداول العملات بموجبه في النور لا في عتمة الأسواق الموازية، وإجراءات رقمية، وقضاء تجاري سريع، ومؤسسات لا تتعامل معه بعقل الجباية والابتزاز.
ولهذا فإن السودان يحتاج إلى إصلاحات عملية متزامنة: تأهيل الموانئ، وتبسيط الإجراءات، وتوحيد الرسوم، ورقمنة الجمارك والموانئ والمصارف والضرائب والسجل التجاري، وإنشاء نافذة واحدة للمستثمر والمصدر والمستورد. كما يحتاج إلى منصة مركزية شفافة لعرض أسعار الصرف في البنوك والصرافات بصورة لحظية، لا لفرض سعر إداري، وإنما لكشف الأسعار وفق آلية العرض والطلب، بما يجعل تداول العملات داخل القنوات المعلومة وتحت ضوء القانون، لا في الظلام الذي تصنعه القيود والغموض والتلاعب. فالميناء الحديث لا يعمل بمنطق الورق المتراكم، وإنما بمنظومة رقمية تجعل كل معاملة واضحة وقابلة للتتبع والمحاسبة.
ولا يجوز كذلك فصل الاقتصاد عن الأمن. فالبحر الأحمر فرصة، ولكنه أيضًا منطقة تنافس إقليمي ودولي، وأي اضطراب في الموانئ والطرق ومناطق الإنتاج يضعف قدرة السودان على الاستفادة من موقعه. لذلك لا معنى لأي حديث جاد عن استثمار كبير ما لم تتقدم أولوية حسم الحرب لصالح الدولة، واستعادة سلطة القانون، وتأمين الموانئ والطرق ومناطق الإنتاج. لكن الحسم لا يكون عسكريًا وأمنيًا فقط؛ فالحراك نحو حزمة تنموية متكاملة، تشمل تأهيل الموانئ، وتحرير الاقتصاد، ورقمنة المعاملات، وتنشيط الصادر، وضبط الذهب، وتوسيع الإيرادات العامة، هو نفسه من أدوات الحسم، لأنه يمنح الدولة موارد عاجلة، ثم موارد أوسع على المدى القريب والمتوسط والبعيد، ويقوي قدرتها على بسط الأمن، وتجفيف اقتصاد الفوضى، وتثبيت سلطة القانون.
وفي هذا السياق يمكن أن تكون الشراكات مع الدول والشركات الكبرى في مجالات الطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية مفيدة جدًا، إذا وُضعت في إطار مصلحة وطنية واضحة. فالشريك الكبير قد يجلب معايير تشغيل، ونظم سلامة، وخبرات تخزين ونقل، وثقة مصرفية واستثمارية. لكن الخطأ أن يُظن أن صفقة واحدة أو تفاهمًا محدودًا يمكن أن يصنع نهضة. النهضة لا تصنعها الصفقة المنفردة، بل تصنعها المنظومة التي تجعل كل شراكة جزءًا من رؤية أكبر: طاقة مستقرة، وموانئ حديثة، وصادر متزايد، وعملة أكثر استقرارًا، وفرص عمل حقيقية. فالشراكات الخارجية لا تنجح إلا حين تستند إلى مشروع وطني واضح، لا حين تكون بديلًا عن غياب المشروع.
إن السودان لا يحتاج إلى انتظار معجزة خارجية، ولا إلى تعليق مستقبله على الوعود، بل يحتاج إلى أن يتعامل مع موقعه وموارده بعقل الدولة. فإذا رُبط البحر الأحمر بالزراعة، والثروة الحيوانية، والتعدين، والصناعة، والطاقة، والنقل، والرقمنة، أمكن أن يصبح الساحل السوداني مدخلًا واسعًا لإعادة بناء الاقتصاد. أما إذا بقيت الفوضى، وتعددت الجبايات، وضعفت المؤسسات، واضطربت القوانين، فإن الموقع نفسه قد يبقى فرصة معطلة لا أكثر.
والحقيقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح أن السودان لا تنقصه الإمكانات، بل تنقصه الإدارة التي تعرف كيف تحول الإمكانات إلى نتائج. لا تنقصه الجغرافيا، بل تنقصه السياسات التي تجعل الجغرافيا مصدر قوة. ولا تنقصه الموارد، بل تنقصه المؤسسات التي تمنع تبديد الموارد. وبالجملة، فإن السودان لن ينهض بالحلول الجزئية ولا بالمعالجات التبعيضية التي تعالج موضعًا وتترك سائر الجسد مثقلًا بالعلل؛ فالأزمة في جوهرها أزمة منظومة، ولا تُعالج أزمة المنظومة إلا بمنظومة مقابلة من الإصلاح: حزمة واحدة متكاملة، تتنزل بالتوازي وفق خطة استراتيجية كلية، تربط الأمن بالاقتصاد، والموانئ بالإنتاج، والتحرير بالرقمنة، وسعر الصرف بالاستثمار، والصادر بالقيمة المضافة، والقانون بالثقة، والموارد بالمؤسسات. وهذا هو المعنى الذي ما فتئنا نؤكد عليه منذ سنوات طويلة: أن السودان لا يحتاج إلى رقعة هنا ومسكن هناك، بل إلى رؤية شاملة تتعامل مع الدولة كلها بوصفها جسدًا واحدًا، غير أن العبرة ليست بكثرة القول، بل بوجود الإرادة التي تحوّل الفكرة إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى واقع.
فإذا اختار السودان طريق الدولة المنظمة، والاقتصاد المفتوح المنضبط، والرقمنة الشاملة، والشفافية، وحسم الفوضى، فإن البحر الأحمر يمكن أن يكون أحد أبواب الخروج من الأزمة، ومدخلًا لإعادة تعريف مكانة السودان في الإقليم.
أما إذا تأخرت القرارات، وغلبت المصالح الصغيرة، وبقيت الدولة أسيرة الارتجال، فإن الفرصة ستظل قائمة على الخريطة، غائبة في الواقع. والفرق بين الدول التي تنهض والدول التي تتعثر ليس في وجود الفرص وحدها، بل في القدرة على اقتناصها في الوقت المناسب، وتحويلها من احتمالٍ واعد إلى مشروعٍ وطنيٍّ مكتمل قاصد راشد.





