مقالات

من توفيق الأوضاع إلى الإنصاف الكامل: القراءة الدستورية لقضية المفصولين تعسفياً

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب | ترانيم الظلم

لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على إدارة مؤسساتها فحسب، بل بقدرتها أيضاً على تصحيح الأخطاء وإنصاف من وقع عليهم الظلم. وتظل قضية المفصولين تعسفياً من المؤسسات النظامية واحدة من القضايا التي تختبر مدى التزام الدولة بمبادئ العدالة وسيادة حكم القانون. فهذه القضية لم تعد مجرد مسألة إدارية تتعلق بإعادة الخدمة أو تسوية الأوضاع، بل أصبحت قضية إنصاف دستوري وجبر ضرر تستند إلى نصوص واضحة في الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019 وفي اتفاقية جوبا للسلام.

وقبل الخوض في تفاصيل هذه القضية، يقتضي الواجب والإنصاف أن نتقدم بالتقدير لكل الجهود التي بذلت خلال السنوات الماضية لمعالجة هذا الملف. فقد اجتهدت عقول مخلصة وسعت قيادات ومسؤولون إلى إيجاد حلول تعيد الحقوق إلى أصحابها وتعيد التوازن إلى مؤسسات الدولة. وهذه الجهود، على اختلاف مراحلها، تمثل عملاً وطنياً مقدراً لأنها انطلقت من حرص حقيقي على تحقيق العدالة وجبر الضرر.

إن التجارب الكبرى في حياة الأمم تعلمنا أن القضايا المرتبطة بالعدالة لا تُحسم بقرار لحظة ولا بجهد جيل واحد، بل تتطلب مساراً من الاجتهاد المتواصل حتى تستقيم الموازين وتستقر القواعد التي تحفظ الحقوق.
وقد جاءت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019 لتؤسس لهذا المسار، حيث نصت في باب طبيعة الدولة على أن جمهورية السودان تقوم على احترام الكرامة الإنسانية والتنوع، وتؤسس على العدالة والمساواة وكفالة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

كما أكدت الوثيقة الدستورية في باب حكم القانون أن جميع الأشخاص والهيئات والمؤسسات، مدنية كانت أم عسكرية، يخضعون لسيادة حكم القانون، وهو مبدأ دستوري يقتضي أن تكون القرارات الإدارية المتعلقة بالخدمة العامة قائمة على العدالة وألا يترتب عليها حرمان أي فئة من حقوقها المهنية دون مسوغ قانوني.

وفي هذا السياق نصت المادة (8/6) من الوثيقة الدستورية ضمن مهام الفترة الانتقالية على معالجة قضية المفصولين تعسفياً من الخدمة المدنية أو العسكرية والسعي لجبر الضرر عنهم وفقاً للقانون. وهذا النص يمثل التزاماً دستورياً واضحاً يلزم أجهزة الدولة بإزالة آثار الفصل التعسفي وإعادة الاعتبار لمن تضرروا منه.

غير أن التطور الدستوري اللاحق جاء ليؤكد هذا الاتجاه ويرفع سقف المعالجة إلى مستوى أعلى. فقد نصت المادة (27) من بروتوكول القضايا القومية في اتفاقية جوبا للسلام على أن:
“يتم إنصاف المفصولين تعسفياً في الخدمة المدنية والعسكرية ويتم الاستفادة من خبراتهم في إنفاذ مطلوبات الفترة الانتقالية.”

ومن الناحية القانونية فإن مفهوم الإنصاف يمثل درجة أعلى من مجرد التسوية أو توفيق الأوضاع؛ إذ يقوم على مبدأ جبر الضرر الكامل وإعادة المضرور إلى المركز القانوني والمهني الذي كان سيبلغه لولا الفعل الضار.
كما أن اتفاقية جوبا للسلام أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الوثيقة الدستورية، بل نص التعديل الدستوري على أنه في حال تعارض أي حكم من أحكام الاتفاقية مع نصوص الوثيقة الدستورية فإن أحكام اتفاقية السلام تسود بالقدر اللازم لإزالة التعارض.

ومن المبادئ المستقرة في الفقه القانوني أن الضرر يزال، وهي قاعدة راسخة من قواعد العدالة. كما أن من المبادئ المستقرة في القضاء الإداري أن إلغاء القرار الإداري غير المشروع يترتب عليه إزالة جميع آثاره القانونية وإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل صدوره.
وقد أكد التشريع السوداني هذا الاتجاه حيث نصت المادة (2) من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983 تعديل 1986 على أنه إذا لم يوجد نص تشريعي يحكم الواقعة فإن القاضي يحكم وفق العدل والقسط الذي يستقيم في الوجدان السليم.

وفي المؤسسات النظامية، وعلى رأسها مؤسسة الشرطة، يقوم البناء المهني على نظام الدفعات والتدرج الوظيفي الذي يحدد الترقيات وفق سنوات الخدمة والأقدمية. ولذلك فإن الضباط الذين ينتمون إلى دفعة واحدة يعدون في الأصل في مركز قانوني متماثل من حيث المسار المهني والترقيات.
وعندما يتعرض بعض أبناء الدفعة للفصل التعسفي فإن ذلك يؤدي إلى إخراجهم قسراً من هذا المسار المهني، بينما يستمر أقرانهم في التدرج الوظيفي حتى يبلغوا الرتب العليا. ومن ثم فإن الضرر الذي لحق بهم لا يتمثل في فقدان الوظيفة فحسب، بل يمتد إلى تعطيل مسارهم المهني وحرمانهم من الترقيات التي بلغها أقرانهم عبر سنوات الخدمة.

وبتطبيق النصوص الدستورية والقواعد القانونية المشار إليها، يتضح أن معالجة قضية المفصولين تعسفياً لا يمكن أن تقف عند حدود التسوية الإدارية أو إعادة الخدمة فحسب، لأن الوثيقة الدستورية أوجبت جبر الضرر، بينما رفعت اتفاقية جوبا سقف المعالجة إلى مستوى الإنصاف الكامل.
وعليه فإن جبر الضرر للمفصولين تعسفياً من ضباط المؤسسات النظامية يقتضي معالجة أوضاعهم الوظيفية بما يعيد إليهم المركز المهني الذي كانوا سيبلغونه بحكم الأقدمية لولا قرار الفصل التعسفي.

وفي هذا الإطار يمكن أن تتم المعالجة العادلة عبر منح الضباط الذين تم فصلهم تعسفياً امتيازات رتبة اللواء، باعتبار أن ذلك يمثل جبرًا للضرر المهني والمعنوي الذي لحق بهم نتيجة حرمانهم من سنوات الخدمة والترقيات التي نالها أقرانهم في الدفعات ذاتها.
كما أن مثل هذا القرار لا ينبغي النظر إليه بوصفه امتيازاً خاصاً، بل باعتباره تطبيقاً عملياً لمبدأ الإنصاف الذي نصت عليه اتفاقية جوبا وتنفيذاً للالتزام الدستوري بمعالجة قضية المفصولين تعسفياً وجبر الضرر عنهم.

وفي الختام، فإن العدالة ليست مجرد نصوص في الدساتير، بل هي روح تسكن في ضمير الدولة. وعندما تتحول هذه الروح إلى قرار عادل فإنها لا تنصف أفراداً فحسب، بل تعزز الثقة في مؤسسات الدولة وتؤكد أن القانون يظل دائماً المرجعية العليا التي تحتكم إليها الدولة والمجتمع.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى