مقالات

كنز البحر الأحمر السوداني (1 من 13): المالديف… كيف صنعت الجزر الصغيرة اقتصادًا بالمليارات؟

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

حين تُذكر المالديف تتبادر إلى الذهن صور الجزر الصغيرة، والمياه الصافية، والشعاب المرجانية، والفيلات المقامة فوق البحر. لكن الأهم من جمال الصورة هو السؤال الاقتصادي: كيف استطاعت دولة لا تزيد مساحة اليابسة فيها على نحو 300 كيلومتر مربع، موزعة على قرابة 1200 جزيرة، أن تجعل البحر والجزر أساسًا لصناعة سياحية تدر عليها مليارات الدولارات سنويًا؟
لم تبدأ المالديف بما نراه اليوم. فقد انطلقت السياحة الحديثة فيها عام 1972 بمنتجعات متواضعة، ثم تطورت تدريجيًا حتى أصبحت السياحة عمادًا رئيسيًا لاقتصادها. وفي عام 2025 استقبلت أكثر من 2.2 مليون سائح، وبلغت إيراداتها السياحية نحو 5.6 مليارات دولار. وهذه أرقام لافتة لدولة صغيرة محدودة الأرض والموارد، لكنها أدركت مبكرًا أن ما تملكه في البحر يمكن أن يكون أثمن مما لا تملكه في البر.

ومن أهم ما ميز التجربة المالديفية نموذج «جزيرة واحدة… منتجع واحد»؛ إذ تحولت جزر صغيرة إلى وحدات سياحية متكاملة، لكل منها هويتها وخصوصيتها وشواطئها ومطاعمها وخدماتها، بل ومحطات لتحلية المياه وتوليد الكهرباء ومعالجة الصرف والنفايات في كثير من الحالات. ولم تعد عزلة الجزيرة عيبًا، بل أصبحت جزءًا من المنتج الذي يدفع السائح ثمنه: الهدوء والخصوصية والطبيعة والابتعاد عن الزحام.
ولم يكن النجاح ببناء الفنادق وحده. فالسائح لا يصل إلى الفيلا فوق الماء من فراغ؛ وراءها مطارات وطائرات وقوارب واتصالات وتأشيرات وتسويق عالمي وتدريب للعاملين وتشريعات للاستثمار ونظام لطرح الجزر وتطويرها وتشغيلها. وهنا يكمن أحد أهم دروس المالديف: السياحة ليست فندقًا جميلًا، وإنما منظومة كاملة تبدأ قبل وصول السائح ولا تنتهي عند مغادرته.

كما أن الدولة لم تكن مضطرة إلى بيع جزرها حتى تجذب المستثمر. فقد اعتمدت طرح جزر ومواقع سياحية للاستثمار والتطوير وفق عقود وشروط تحدد الاستثمار والطاقة الاستيعابية وغيرها، فيبقى الأصل للدولة ويأتي رأس المال والخبرة لتشغيله وتحويله إلى مورد متجدد. وهذه فكرة بالغة الأهمية لبلد يملك أصولًا طبيعية ثمينة؛ فليس المطلوب التخلص من الأصل للحصول على المال مرة واحدة، وإنما جعله يولد المال عامًا بعد عام.
والأهم أن المالديف لم تَبِع للسائح شيئًا صنعته في مصنع؛ لقد باعت له تجربة: ماءً صافيًا، وشاطئًا، وشمسًا، وسمكًا وشعابًا مرجانية، وهدوءًا وخصوصية وخدمة جيدة. أشياء كانت موجودة في الطبيعة، لكن الإدارة والاستثمار والبنية الأساسية والتسويق حولتها إلى قيمة اقتصادية هائلة.
وهنا يبدأ سؤالنا السوداني.

يمتد السودان على ساحل طويل من واحد من أغنى بحار العالم بالشعاب المرجانية والحياة البحرية. وفيه جزر ومواقع لا تزال بعيدة عن البناء الكثيف، ومياه دافئة، وشمس ساطعة معظم العام، ومواقع غوص ذات قيمة عالمية. ثم إن السودان لا يملك البحر وحده؛ فخلف الساحل تمتد جبال وصحارى وثقافات وتاريخ، ومن ورائها النيل وآثار حضارات ضاربة في القدم. أي أن السائح الذي يأتي من أجل البحر يمكن، إذا أحسنّا بناء المنتج، أن نعرض عليه السودان كله.
وليس المقصود أن ننسخ المالديف. فالتقليد الحرفي قد يكون أسوأ ما نفعله. المطلوب أن نفهم كيف تحولت الطبيعة هناك إلى اقتصاد، ثم نصنع نموذجنا وفق طبيعتنا وقيمنا وظروفنا ومصالحنا.
بل يمكن أن تكون لنا هوية سياحية متميزة: منتجعات عالمية راقية، ولكن في بيئة عائلية آمنة خالية من الخمر والقمار والتعري وسائر المحرمات؛ تستقبل المسلم وغير المسلم، وتنافس في جودة السكن والطعام والبحر والغوص والخصوصية والاستجمام والخدمة، لا في المحرمات. فالسائح العالمي ليس صنفًا واحدًا، وهناك سوق واسعة للعائلات وشهر العسل والهدوء والطبيعة والغوص والعافية والخصوصية.

غير أن الحماس وحده لا يبني صناعة. فلا بد قبل الحديث عن المليارات من أن نعرف ماذا نملك بالفعل، وأين توجد أفضل الجزر والشواطئ والشعاب، وما الذي يجوز تطويره، وما الذي يجب أن يبقى محميًا، وكيف يصل السائح، ومن يستثمر، وكيف يستفيد المواطن والدولة والمجتمعات المحلية، وكيف نحمي البحر حتى لا ندمر الأصل الذي نريد أن نعيش من عائده.
هذه هي الأسئلة التي ستتناولها هذه السلسلة خطوة خطوة؛ لا باعتبار البحر الأحمر صورة جميلة نفاخر بها، وإنما أصلًا اقتصاديًا وطنيًا يمكن أن يعمل وينتج ويحفظ في الوقت نفسه.
فالمالديف لم تصبح المالديف لأنها تملك بحرًا جميلًا فحسب؛ بل لأنها عرفت ماذا تفعل به.
أما نحن، فالسؤال الأول الذي ينبغي أن نجيب عنه هو: هل يملك البحر الأحمر السوداني من المقومات ما تملكه المالديف… أم يملك أكثر؟
وهذا ما نتناوله في المقال القادم بإذن الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى