
يمضي العمر أسرع مما نتصور، وتتقلب الأيام، ويرحل الناس، ثم تبدو كثير من الخصومات التي استنزفت القلوب والأوقات أصغر من أن تستحق ما أُنفق فيها من غضب وقطيعة. قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾؛ فالدنيا رحلة قصيرة، والعاقل لا يثقلها بأحمال الحقد، ولا يحوّل كل هفوة إلى معركة.
وقد جمع القرآن مكارم النفس في قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فكظم الغيظ ضبط للنفس عند ثورتها، والعفو إسقاط للمؤاخذة مع القدرة عليها، والإحسان مرتبة أعلى تقابل الإساءة بالخير. وقال سبحانه: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
وليس الغضب دليل قوة، ولا ارتفاع الصوت برهانًا على رجاحة الحجة. فقد أوصى النبي ﷺ رجلًا كرر طلب الوصية بقوله: «لا تغضب»، وقال: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». فالشديد حقًّا هو من يملك لسانه ويده وقراره حين تشتعل نفسه، ولا يسمح للحظة عابرة أن تهدم علاقة أو تفتح باب ندم طويل.
والعفو لا يعني الرضا بالظلم، ولا يوجب على المظلوم التنازل عن حقوقه، ولا ترك المعتدي يكرر عدوانه؛ فالحزم مطلوب، والعدل أساس، ودفع الضرر مشروع. غير أن التنازل عن الحق قد يكون من مكارم الأخلاق حين يعجز المخطئ حقًّا عن أدائه، ويكون صاحب الحق قادرًا على تحمّل تبعات العفو، ويتبيّن له صدق ندم المخطئ وعزمه على ألّا يعود. فالعفو فضل واختيار، لا إكراه فيه ولا تضييع للحقوق.
والحكمة أن يُوضع كل موقف في موضعه؛ فقد يكون حفظ الحق أعدل وأصلح، وقد يكون العفو عنه أكرم وأنفع، متى صدر عن قدرة، ولم يُفضِ إلى تمادي المعتدي أو ضياع حقوق الآخرين. أما الهفوات والمواقف العابرة، فالتجاوز عنها أولى وأقرب إلى صفاء النفس. وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، فقرن العفو بالإصلاح؛ لأن العفو المحمود ما حقق خيرًا ودفع شرًّا.
ومن باب أولى ألا يحاسب الإنسان الناس على كل كلمة وحركة؛ فدوام العشرة لا يستقيم باستقصاء العيوب، وإنما يقوم على التغافل وحسن الظن وقبول النقص البشري. وقد قيل: ليس الغبي بسيد في قومه، لكن سيد قومه المتغابي؛ أي إن الكريم العاقل قد يرى ما يكره، لكنه يتغافل عما لا يفسد حقًّا ولا يهدر كرامة. ومن لطائف الحكمة أن الماء إذا بلغ حد الغليان لم يعد يعكس صورة الوجه، وكذلك النفس إذا اشتد غضبها لم تعد ترى الأمور على حقيقتها؛ ولذلك كان تأخير الرد أحيانًا أبلغ من الرد، وكان الصمت حتى تهدأ النفس أقرب إلى العدل وأبعد عن الندم.
والعفو راحة للعافي قبل أن يكون منحة للمخطئ؛ لأن الحقد يربط صاحبه بمن أساء إليه، ويجعله يحمل أذاه أينما ذهب، أما الصفح فيقطع ذلك القيد ويعيد إلى النفس سكينتها. وقد قيل:
لما عفوتُ ولم أحقدْ على أحدٍ
أرحتُ نفسي من همِّ العداواتِ
إني أحيّي عدوّي عند رؤيته
لأدفعَ الشرَّ عني بالتحياتِ
وكم من بيت تهدّم لأن أحد طرفيه أراد الانتصار في كل نقاش، ولو كان محقًّا، وكم من رحم قُطعت بسبب كلمة كان يمكن تجاوزها، وكم من صداقة انتهت لأن الاعتذار تأخر والعناد تقدم. وليس كل انتصار في الجدال مكسبًا؛ فقد تنتصر الكلمة وتخسر القلب، وتثبت أنك محق، ثم تكتشف أنك أضعت ما هو أثمن من إثبات الحق في مسألة صغيرة.
إن الصبر ليس سكون العاجز، بل قوة الواعي الذي يقدّر العواقب، والعفو ليس ذلًّا، بل رفعة نفس، والتجاوز ليس غفلة، بل فقه بالأولويات. ومن عرف قصر الدنيا لم يبددها في تعقب الزلات، ومن أيقن بسرعة الرحيل حرص أن تكون كلماته طيبة، وأن يترك في القلوب أثرًا حسنًا.
فلنعتذر إذا أخطأنا، ولنقبل اعتذار من رجع، ولنستر الهفوات، ونطفئ نار الغضب قبل أن تمتد. فقد تأتي لحظة نتمنى فيها لو استرددنا كلمة جارحة، أو وصلنا رحمًا قطعناه، أو صافحنا يدًا أبعدها العناد، فلا نجد إلى ذلك سبيلًا.
الرحلة قصيرة؛ فلا نُثقلها بالغضب والخصام، ولنملأها بالصبر والعفو والرحمة، فما يبقى من الإنسان بعد رحيله ليس ما كسبه من جدال، وإنما ما تركه من خير ومحبة وحسن أثر.





