مقالات

كنز البحر الأحمر السوداني (12 من 13): نحمي البحر ليظل يدر الذهب

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

إذا كان البحر الأحمر هو الذي سيجذب السائح والمستثمر، ويوفر العمل للصياد والغواص والعامل، ويحرك الفنادق والنقل والخدمات، فإن الشعاب والمياه والحياة البحرية ليست مجرد منظر جميل حول الصناعة السياحية؛ بل هي رأس مالها الأساسي.
ولهذا فإن إفساد البحر من أجل زيادة السياحة يشبه من يقطع الشجرة ليبيع ثمرتها.
وقد تحدثنا من قبل عن ضرورة تصنيف المواقع قبل الاستثمار: ما الذي يبقى محميًا، وما الذي يسمح بزيارته أو الغوص فيه، وأين يمكن البناء. لكن الحماية لا تنتهي عند رسم الحدود على الخريطة؛ بل تبدأ مهمتها الأصعب عندما يأتي المستثمر والسائح والقارب والغواص.
فالبيئة البحرية أصل حي يتغير، ولذلك ينبغي أن نعرف حالته قبل بدء النشاط، ثم نراقب ما يطرأ عليه بعد ذلك: صحة الشعاب المرجانية، وجود الأنواع الحساسة، جودة المياه، المخزون السمكي، النفايات، وحجم الضغط الناتج عن القوارب والغوص والأنشطة السياحية.
وبذلك يصبح لدينا خط أساس نقارن به المستقبل؛ فلا ننتظر حتى يظهر الضرر للعين المجردة ثم نسأل متى بدأ.
ومن أبسط وسائل الحماية منع إلقاء المراسي فوق الشعاب في المواقع الحساسة، واستخدام نقاط رسو ثابتة حيث تكون مناسبة، وتنظيم مسارات القوارب والغوص، وترخيص مراكز الغوص ومراقبة التزامها بقواعد الموقع.
وهذا ليس خطرًا نظريًا؛ فقد سجلت اليونسكو من قبل أضرارًا مرتبطة بأنشطة غوص في موقع البحر الأحمر السوداني المدرج على قائمة التراث العالمي، كما أشارت إلى وضع إرشادات للسياحة البيئية ومتطلبات لتنظيم أنشطة الغوص. ولذلك فإن فتح البحر للسياحة من غير إدارة قد يجعل النشاط الذي يعيش على الشعاب سببًا في إضعافها.
ويأتي بعد ذلك مفهوم القدرة الاستيعابية؛ أي مقدار الزيارة والنشاط الذي يستطيع الموقع تحمله من غير تدهور غير مقبول.

لكن هذه القدرة لا ينبغي أن تكون رقمًا ثابتًا يوضع مرة واحدة ثم ينسى. فإذا أظهرت المراقبة أن موقعًا يتعرض لضغط زائد، يمكن خفض عدد الزوار أو تغيير مسارات النشاط أو إغلاق جزء منه مؤقتًا حتى يتعافى.
فالعدد يتبع قدرة البحر، لا العكس.
وهذا يؤكد مرة أخرى أن نموذج السياحة الأقل عددًا والأعلى قيمة قد يكون أنسب لبعض مواقعنا الحساسة من مطاردة أكبر عدد ممكن من الزوار. فإذا أمكن تحقيق عائد مرتفع من عدد مدروس من السياح، فلماذا نضغط على المورد الطبيعي لمجرد زيادة الأرقام؟
ولا يقتصر الخطر على الغوص والقوارب.
فالمنتجعات نفسها يمكن أن تضر البحر إذا تسرب منها الصرف، أو أسيء التخلص من النفايات، أو صُرفت مخلفات التحلية بطريقة ضارة، أو توسع البناء على حساب الموائل الساحلية. ولذلك يجب أن تخضع المياه والصرف والنفايات ومخلفات التحلية والبناء لمعايير واضحة وقياس وتفتيش دوري.
فالبيئة لا تحميها النوايا، وإنما معايير تُقاس، والتزامات تُراقب، ومخالفات تُحاسب.
كما أن حماية البحر لا تتوقف عند حدود المنتجع. فالتلوث القادم من المدن والموانئ والسفن والصناعة، والصيد غير المستدام، والتغيرات المناخية وارتفاع حرارة البحر، كلها قد تؤثر في الأصل السياحي ولو كان الفندق نفسه ملتزمًا.
ولهذا نحتاج إلى إدارة تنظر إلى الساحل والبحر كنظام واحد، لا إلى كل مشروع منفردًا.
والحماية تحتاج أيضًا إلى المال.

وقد أشرنا في المقال الثامن إلى إمكان وجود رسم بيئي ضمن الأدوات المالية للسياحة. والمهم هنا ليس اسم الرسم ولا قيمته، بل أن يكون جزء معلوم من الموارد المرتبطة بالنشاط السياحي مخصصًا بصورة شفافة ومعلنة لما يحمي الأصل الذي يولد ذلك النشاط: المراقبة العلمية، ونقاط الرسو، وإدارة المحميات، والتنظيف، والإنقاذ البيئي، والتوعية، وإنفاذ القواعد.
فإذا دفع السائح أو المستثمر مقابل الانتفاع ببحر نادر، فمن المنطقي أن يعود جزء من ذلك المقابل إلى صيانة البحر نفسه.
والمجتمعات الساحلية شريك أساسي في هذه الحماية. فالصياد وقائد القارب وأهل المنطقة يرون البحر يوميًا، ويمكن أن يكونوا من أوائل من يلاحظ تغيره ويحميه، خصوصًا عندما تصبح سلامة المورد مرتبطة مباشرة بدخلهم وفرص عملهم.
ويمكن للتقنية أن تساعد: صور الأقمار الصناعية، وأجهزة قياس جودة المياه، والخرائط الرقمية، وتسجيل حركة القوارب، وقواعد بيانات الغوص والحياة البحرية. لكن التقنية وحدها لا تحمي شيئًا إذا لم توجد مؤسسة تقرأ البيانات وتتصرف عند ظهور الخطر.

فالتقنية لا تعوض ضعف المؤسسة.
ومن هنا فإن حماية البحر تحتاج إلى جهة قادرة على التنسيق بين البيئة والسياحة والموانئ والثروة السمكية والمجتمعات والمستثمرين، وإلى قواعد معلنة وسلطة تنفيذ حقيقية.
فحماية البحر ليست تكلفة تخص جهة البيئة وحدها، بل صيانة لأصل اقتصادي وطني.
وإذا فهمنا ذلك تغير السؤال من:
كم سائحًا نستطيع إدخاله إلى البحر؟
إلى:
كم قيمة نستطيع أن نولد من البحر، مع إبقائه سليمًا للأجيال القادمة؟
فالذهب الحقيقي هنا ليس ما نستخرجه ثم ينفد، بل المورد الذي نحسن استخدامه فيظل ينتج القيمة عامًا بعد عام.
وقد بدأنا هذه السلسلة بالسؤال: كيف صنعت المالديف من جزر صغيرة صناعة بمليارات الدولارات؟ ثم سألنا ماذا يملك السودان، وما الذي نحميه، وأين نبني، ولمن نبني، وكيف نشغل ونمول ونربط المنتجعات ببقية البلاد والاقتصاد.
ويبقى السؤال الأخير:
هل يمكن أن تتحول هذه العناصر مجتمعة من أول منتجع ناجح إلى صناعة سودانية بمليارات الدولارات؟
وهذا ما نختم به السلسلة في المقال القادم بإذن الله:
«من أول منتجع إلى صناعة بمليارات الدولارات»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى