مقالات

السودان… من مطاردة الأعراض إلى إصلاح الجذور (1 من 10): لماذا تتوالد أزماتنا؟

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

تكاثرت الأزمات في بلادنا، وتراكبت وتناسلت منذ الاستقلال حتى اليوم، حتى كأن كل أزمة تلد أختًا لها، وكل معالجة ناقصة تفتح بابًا لخلل جديد. وما عادت المشكلة في أزمة بعينها يمكن عزلها ومعالجتها منفردة، بل في منظومة كاملة أفرزت على مدى العقود تدهورًا اقتصاديًا وإداريًا وتعليميًا وصحيًا وخدميًا وأمنيًا واجتماعيًا، يتصل بعضه ببعض ويغذي بعضه بعضًا.
تدهورت قيمة العملة، وارتفعت الأسعار، واتسعت السوق الموازية، وضعفت الصادرات، وتسرب الذهب، وانكمش الاستثمار، وضعف الجهاز المصرفي، واختلت الخدمات الرقمية، وتراجعت الكهرباء والطاقة، وتهالكت الطرق والبنى الأساسية، وترهلت الخدمة المدنية، وكثرت الجبايات والتعقيدات، وتراجع الإنتاج، وازدادت البطالة والهجرة.
ولم تقف الخسارة عند هجرة الأيدي العاملة، بل امتدت إلى العقول والخبرات والكفاءات التي أنفقت البلاد سنوات طويلة في تعليمها وتأهيلها، ثم دفعتها البيئة الطاردة إلى البحث عن الأمان والاستقرار والتقدير وفرص العمل في الخارج. وهكذا يخسر السودان مرتين: مرة حين ينفق على إعداد الإنسان، ومرة حين يجني غيره ثمرة هذا الإعداد.
وفي التعليم، لم تعد المشكلة في المناهج أو المباني وحدها، بل في ضعف الإنفاق، وتدني أوضاع المعلمين، وهجرة بعضهم أو انصرافهم إلى أعمال أخرى، وتراجع المعامل والتدريب والبحث العلمي، وضعف الصلة بين الجامعات وسوق العمل والإنتاج. ثم نشتكي بعد ذلك من ضعف المخرجات، وعزوف الطلاب عن بعض التخصصات الإنتاجية، ونقص الخبرات التي تحتاجها الزراعة والصناعة والموارد الطبيعية.

وفي الصحة، لا تكمن الأزمة في المستشفى وحده، بل في بيئة تنتج المرض وتضعف الوقاية والعلاج معًا: فقر وسوء تغذية، ومياه وصرف صحي متعثران، وتلوث وضعف رقابة، وهجرة أطباء وكوادر، وغلاء دواء، وتراجع خدمات، وانقطاعات كهرباء وتعطل أجهزة، واقتصاد يجعل المواطن عاجزًا أحيانًا حتى عن الوصول إلى العلاج. وهكذا يتسع العبء الصحي والاقتصادي على الأسرة والدولة في آن واحد.
وفي الطاقة، لا يعني الضعف مجرد انطفاء المصابيح، بل تعطل الري والمصانع والمخازن المبردة والمستشفيات والاتصالات ومراكز البيانات وشبكات المياه والورش والمناجم وسلاسل الإنتاج. فإذا ضعفت الكهرباء، تأثرت قطاعات كثيرة في وقت واحد، وارتفعت كلفة الإنتاج، وتراجع النشاط، وتقلصت فرص العمل.
أما الخدمة المدنية، التي يفترض أن تكون الأداة المهنية للدولة، فقد أصابها على مدى العقود كثير من الترهل والتسييس وضعف التدريب وتداخل الاختصاصات وتضخم الإجراءات وغياب الربط الرقمي والمساءلة الواضحة. وفي بيئة كهذه قد تأتي الفكرة الصحيحة فتتعطل في الإجراء، وقد تمنع المستثمر أصلًا من الدخول، أو تدفع من دخل إلى التراجع أو الخروج، وقد يصدر القرار ثم يختلف تطبيقه من جهة إلى أخرى.

والاستثمار، وهو أحد أكبر مفاتيح الخروج من الفقر والبطالة، لا يأتي إلى بلد لمجرد أن لديه أرضًا وماءً وذهبًا وثروة حيوانية. فالمستثمر يسأل قبل ذلك: هل القانون مستقر؟ هل العقد محفوظ؟ هل يستطيع إدخال ماله وإخراجه؟ هل سعر الصرف واضح؟ هل القضاء ناجز؟ هل الرسوم معلومة؟ هل الإجراءات مستقرة وميسرة؟ وهل تسمح البيئة بتوفير ما يحتاج إليه المشروع من طاقة وبنية وخدمات، سواء أنشأتها الدولة، أو أنشأها المستثمر نفسه، أو قامت بها شراكات وتمويلات مختلفة؟
فإذا وجد هذه البيئة المطمئنة، أمكنه أن يأتي برأس المال والتقنية، وأن يسهم بنفسه في إنشاء الطاقة والطرق والمخازن والمصانع وغيرها من البنى اللازمة للإنتاج. أما إذا كانت البيئة طاردة، فقد تبقى الموارد في مكانها، وتبقى البلاد فقيرة فوق ثروة هائلة.
ومن هنا فالسؤال الأهم ليس: لماذا ارتفع الدولار؟ أو لماذا تعطلت خدمة مصرفية؟ أو لماذا هُرّب الذهب؟ أو لماذا هاجر الطبيب والمهندس والمعلم؟ بل: ما البيئة التي تنتج هذه الأزمات كلها، وتجعل كل خلل يولد خللًا جديدًا؟
هذه هي القضية التي تنطلق منها هذه السلسلة؛ لأن السودان ظل طويلًا يطارد الأعراض أكثر مما يصلح الجذور. فإذا ارتفع الدولار طورد تجار العملة، وإذا غلت السلع وُجّه اللوم إلى التجار، وإذا نقصت الإيرادات زادت الرسوم والجبايات، وإذا اتسع التهريب شُدّدت العقوبات، وإذا تعطلت خدمة شُكلت لجنة، ثم تعود الأزمة بعد حين في صورة أشد أو من باب آخر.

والمشكلة في هذا المنهج أن الأعراض قد تختلف، لكن جذورها متصلة. فضعف الإنتاج يقلل الصادرات والنقد الأجنبي، فيضغط على سعر الصرف ويرفع تكلفة الاستيراد فتزداد الأسعار. وارتفاع الأسعار يضعف القوة الشرائية، ويضغط على الأسر والمنتجين، ويزيد الحاجة إلى التمويل، بينما يضعف الجهاز المصرفي وتنكمش الثقة فيه. وحين تضعف الثقة في القنوات الرسمية، ينتقل جانب من التعاملات والأموال إلى خارجها، فتتسع الأسواق الموازية، وتفقد الدولة جانبًا من البيانات والإيرادات والقدرة على التخطيط.
وحين تضيق الدولة ماليًا، قد تلجأ إلى مزيد من الجبايات والرسوم أو إلى تمويل العجز بوسائل تضخمية، فتزيد كلفة الإنتاج والتجارة، وينكمش النشاط أكثر، وتضعف الإيرادات من جديد. وهكذا تصبح بعض أدوات العلاج نفسها جزءًا من دورة المرض.
ولا يقف الأثر عند الاقتصاد؛ فالاقتصاد الضعيف يوسع البطالة والفقر، والبطالة والفقر يضغطان على الأسرة، ويزيدان الهجرة، ويضعفان التعليم والصحة، ويفتحان أبوابًا أوسع للجريمة والمخدرات والاحتيال والتهريب. وحين يضعف القانون والقضاء والإدارة، ترتفع كلفة المعاملة والاستثمار، فيحجم رأس المال، وتقل فرص العمل، وتعود الدائرة إلى بدايتها.
وهذا لا يعني إهمال المشكلات القطاعية أو تأجيل علاجها، وإنما يعني ألا نعالج أيًّا منها بمعزل عن البيئة التي تنتجها وتؤثر في نجاح علاجها.
فالقطاعات متشابكة: النظام المصرفي يحتاج إلى اتصالات وطاقة ورقابة، والإنتاج يحتاج إلى تمويل وأسواق وقانون، والتعليم والصحة يحتاجان إلى اقتصاد قادر ومؤسسات فعالة، والاستثمار يحتاج إلى بيئة قانونية ومالية وإدارية موثوقة. ولذلك لا يستقيم إصلاح جزء مع إبقاء بقية المنظومة معطلة.

ولهذا فإن البنية التحتية العظمى التي يحتاجها السودان ليست طريقًا ولا محطة كهرباء وحدهما، مع ضرورتهما، وإنما البيئة العامة التي تجعل إنشاءهما وتشغيلهما واستدامتهما ممكنة: سيادة قانون، وحوكمة، ورقمنة صحيحة، واقتصاد محرر من القيود المشوهة، ونظام مصرفي موثوق، وإدارة واضحة، وقضاء ناجز، وشفافية في الرسوم والإجراءات، ومنافسة تحاصر الاحتكار، ودولة تنظّم السوق وتحميه بدل أن تخنقه.
ولا يعني هذا أن ننتظر اكتمال الإصلاح العام حتى نعالج التفاصيل العاجلة؛ فالحفرة الخطرة في الطريق يجب أن تُردم اليوم، والشبكة المعطلة يجب أن تُصلح، واضطراب الكهرباء يجب أن يُعالج، والمريض لا ينتظر اكتمال خطة النهضة. لكن هذه المعالجات العاجلة يجب أن تسير داخل رؤية أشمل، لا أن تتحول إلى بديل عنها.
وهنا يظهر الفرق بين دولة تدير الأزمات ودولة تمنع إنتاجها. الأولى تنتظر ارتفاع الدولار ثم تتحرك، وتنتظر تعطل الخدمة ثم تشكل لجنة، وتنتظر انتشار التهريب ثم تشدد العقوبة. أما الثانية فتسأل قبل ذلك: ما الذي صنع الأزمة؟ وما الذي جعل الطريق الرسمي أضعف من غيره؟ وما الذي جعل المنتج يهرب، والمستثمر يتردد، والكفاءة تهاجر، والمواطن يفقد الثقة، والمؤسسة تعجز عن أداء وظيفتها؟
والإجابة لا تكون بقرار واحد، ولا بوزارة واحدة، ولا بشخص واحد مهما بلغ من الكفاءة، وإنما بإصلاح مترابط للبيئة التي تعمل داخلها الدولة والاقتصاد والمجتمع.

والأهم أن تتحرك هذه الإصلاحات بالتوازي لا بالتتالي؛ لأن كل واحد منها يقوي الآخر. فالتحرير بلا حوكمة قد يتحول إلى فوضى، والحوكمة بلا رقمنة تبقى بطيئة ومفتوحة للتلاعب، والرقمنة فوق إجراءات مختلة لا تفعل أكثر من نقل الفوضى إلى الشاشة، والاستثمار لا يأتي بلا قانون، ونظام مصرفي موثوق، وسوق صرف واضحة، وبيئة تسمح بتوفير ما يحتاج إليه المشروع من طاقة وبنية وخدمات.
وحين تبدأ هذه المنظومة في العمل، تنعكس الحلقة: تتحسن الثقة، فيعود المال إلى القنوات الرسمية، ويتسع الاستثمار والإنتاج، فتزيد فرص العمل والصادرات والإيرادات، وتتسع قدرة الدولة والمجتمع والقطاع الخاص على تطوير الطاقة والبنية والخدمات، وتتحسن أوضاع التعليم والصحة والعمل، وتقل دوافع الهجرة، فتزداد الثقة والإنتاج من جديد. وهكذا يتحول التدهور الذي كان يغذي بعضه بعضًا إلى نهوض يغذي بعضه بعضًا.
هذه هي الفكرة المركزية التي ستسير عليها السلسلة: أزمات السودان ليست جزرًا منفصلة، وإنما حلقات متصلة في بيئة واحدة. ولذلك فإن العلاج الحقيقي لا يبدأ من مطاردة آخر عرض ظهر أمامنا، بل من إصلاح البيئة التي ظلت، منذ عقود، تنتج الأعراض مهما تبدلت أسماؤها.
وفي المقال القادم، إن شاء الله: الدولار ليس أصل الداء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى