مقالات

بنكك.. بين ذبح الثور وكسر الزير

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

كتبنا من قبل عن الأعطال المتكررة لتطبيق «بنكك»، وعن حجم الضرر الذي يلحق بالناس والاقتصاد حين تتعطل خدمة أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية في السودان، وقلنا إن القضية تجاوزت منذ زمن حدود تطبيق مصرفي تابع لبنك تجاري، لتصبح شأنًا يمس حركة المجتمع والاقتصاد والدولة.

لكن الأعطال لم تتوقف، ولا يزال «بنكك» يتعثر ويتباطأ ويتوقف، ولا يزال الناس يفاجأون في أوقات حاجتهم بأن أموالهم موجودة في حساباتهم ولكن الوصول إليها أو التصرف فيها متعذر. ومع استمرار الحال على هذا النحو، لم يعد السؤال فقط: ما الخلل الفني؟ وإنما أصبح السؤال الأوجب: أين الاهتمام الذي يتناسب مع فداحة ما يحدث، وأين المسؤولية؟
حين يصبح تطبيق ما طريقًا لشراء الطعام والدواء والوقود، ودفع أجرة المواصلات والعلاج، وإرسال نفقة الأسرة، وتسديد أثمان البضائع، وتحويل الأموال بين الناس والتجار والمؤسسات، فإن تعطله المتكرر لا يعطل «خدمة إلكترونية» فحسب، بل يعطل الحياة نفسها في جوانب واسعة منها. وقد بلغ الأمر فعلًا أن يكون الإنسان مالكًا لماله، محتاجًا إليه في تلك اللحظة، ثم يعجز عن التصرف فيه لأن التطبيق لا يعمل.

والضرر لا ينتهي بانتهاء العطل؛ فكل مرة يفشل فيها المواطن في الوصول إلى ماله تزرع في نفسه مزيدًا من الخوف من الاعتماد على الوسائل الإلكترونية، وتدفعه إلى الاحتفاظ بالنقد تحسبًا للعطل القادم. وهكذا يتحول تكرار الأعطال إلى قوة تدفع المجتمع في الاتجاه المعاكس للتحول الرقمي؛ لأن هذا التحول لا يقوم على التقنية وحدها، وإنما على ثقة الإنسان بأنه متى أودع ماله استطاع الوصول إليه، ومتى أراد الدفع أو التحويل استطاع ذلك.
والنظر الأعمق إلى ما وراء العطل الآني يكشف خطرًا أكبر إذا طال هذا الحال. فتكرار تعذر الوصول إلى المال عبر التطبيقات قد يزهد الناس شيئًا فشيئًا في الاعتماد عليها ويدفعهم إلى طلب النقد والاحتفاظ به خارج الجهاز المصرفي، لكنهم قد يصطدمون عندئذ بشح النقد نفسه، فضلًا عن أن توفيره وطباعته وإصداره ذو كلفة، ولا سيما مع التضخم وتدني قيمة الفئات الصغيرة. وهنا ندخل في دائرة أشد خطورة: تطبيق لا يطمئن الناس إلى الوصول عبره إلى أموالهم، ونقد قد لا يتوافر لهم بالقدر الكافي، فيزداد الخوف ويتعمق فقدان الثقة.

وإذا استمر هذا الشعور، فقد لا يقف الأمر عند البحث عن الجنيه نقدًا؛ فمن يملك القدرة قد يلجأ إلى العملات الأجنبية أو الذهب أو العقار وغيره من الأصول، لا طلبًا للاستثمار المنتج بالضرورة، وإنما بحثًا عن ملاذ يحفظ فيه قيمة ما يملك. وهكذا قد تنتقل الأموال من التداول والإنتاج والاستثمار إلى التحوط والانتظار.
بل إن الخطر قد يتجاوز ذلك؛ فالأصول التي يلجأ إليها الناس أولًا باعتبارها ملاذًا قد يأتي عليها وقت لا يعود اقتناؤها داخل البلاد نفسه مطمئنًا بالقدر الكافي، بينما يشتد الزهد في إنشاء استثمارات وأصول إنتاجية جديدة إذا ترسخ الشعور بأن النشاط الاقتصادي يتعطل وأن التجارة والإنتاج والاستثمار أصبحت محفوفة بعدم اليقين. فالعقار والمصنع والمزرعة والمتجر لا تستمد قيمتها من وجودها المادي وحده، وإنما كذلك من وجود اقتصاد يعمل وسوق تتحرك ومال يمكن الوصول إليه وتداوله. فإذا اهتزت هذه الأسس، قد يتحول التفكير من: أين أحفظ مالي داخل البلاد؟ إلى سؤال أخطر: هل أبقي مالي ونشاطي في البلاد أصلًا؟

وعندها قد يحجم القادر عن الاستثمار، أو يجمد نشاطه، أو ينقل ماله وعمله إلى خارج البلاد بحثًا عن بيئة أكثر استقرارًا، فتفقد البلاد رؤوس الأموال والخبرات والأنشطة القادرة على تحريك الاقتصاد، ويزداد الضغط على ما تبقى من استثمارات تنازع أصلًا من أجل البقاء.
وإذا صح، على سبيل الفرض، أن وراء بعض حالات التعطيل أو الإبطاء قصدًا إلى تحجيم ارتفاع الدولار أو الحد من المضاربات عليه، فإن الواجب النظر إلى كلفة هذه الوسيلة ونتائجها. فمهما كان ارتفاع الدولار وتقلب سعر الصرف خطيرين، لا يكون علاجهما بتعطيل حركة المال؛ لأن أثر ذلك لا يقف عند المضاربين، بل يمتد بالتدرج إلى التجارة والإنتاج وسائر النشاط الاقتصادي، وعلى رأسه ما بقي قائمًا، على قلته، من إنتاج الذهب والزراعة والثروة الحيوانية والصادرات النوعية. فإذا تعطلت المدفوعات والشراء والنقل والتجارة، تعثرت هذه الأنشطة وانكمش بعضها أو توقف، فتتراجع معها المصادر التي توفر للبلاد ما بقي متاحًا من العملات الأجنبية، وقد نصل إلى شح أشد حتى في القليل المتاح من الدولار. وعندئذ تكون النتيجة معاكسة تمامًا للغاية المفترضة من الإجراء: يزداد الدولار ندرة، ويشتد الطلب عليه قياسًا إلى المعروض، فيرتفع سعره بدل أن ينخفض.

والأخطر أن الضرر لا يقف عند سعر الدولار؛ فتعطيل النشاط يعني تعطيل العمل والكسب نفسه. والمواطن الذي كان، رغم الغلاء وصعوبة المعيشة، يعمل ويكسب ما يمكّنه بشق الأنفس من توفير بعض ضروريات حياته، قد يفقد حتى هذه القدرة إذا تعطلت الأعمال والإنتاج والتجارة. فلأن تبقى عجلة الاقتصاد دائرة، ولو في ظروف صعبة ودولار مرتفع، ويظل للناس عمل وكسب يستطيعون بهما الحصول على بعض حاجاتهم بصعوبة، خير من محاولة خفض الدولار بسياسة قد تنتهي إلى ندرة أشد فيه، وإلى تعطيل الأعمال التي توفره، ثم حرمان الناس حتى من الوسيلة التي كانوا يواجهون بها الغلاء ويبلغون بها بعض ضرورياتهم بشق الأنفس.
فسوق الصرف لا يستقر بتعطيل حركة المال ومحاصرة الناس في الوصول إلى أموالهم، وإنما بمعالجة الأسباب التي تضعف العملة وتدفع إلى طلب الدولار ابتداءً، وبزيادة الإنتاج والصادرات وتدفقات النقد الأجنبي، لا بخنق النشاط الذي يمكن أن ينتجها.

أما الذين لا يملكون نقدًا يكتنزونه، ولا عملات أجنبية ولا ذهبًا ولا أصولًا يتحوطون بها، وهم فيما نرى غالب أهل السودان اليوم، فإن حالهم عندئذ يصبح فوق التصور؛ لأنهم لا يملكون أصلًا وسائل التحوط التي قد يلجأ إليها القادرون. فإذا انكمش الاستثمار وتراجع الإنتاج والتجارة وخرجت رؤوس الأموال والأنشطة، كانوا أول من يصيبه فقدان فرص العمل والدخل وتراجع توافر السلع والخدمات، وآخر من يملك وسيلة لاتقاء آثار ذلك.
وهكذا فإن العطل المتكرر لا ينبغي أن يُقاس فقط بما عطله اليوم من تحويل أو شراء، وإنما بما قد يفعله غدًا بثقة الناس في التطبيقات والمصارف، ثم في النقد والعملة، ثم في الاستثمار وجدوى إبقاء المال والعمل داخل البلاد. وإذا بدأت الثقة في الانهيار، فإن كلفة استعادتها تصبح أكبر كثيرًا من كلفة حمايتها ابتداءً.

ومن هنا فإن العتاب يبدأ ببنك الخرطوم. فمن حق الناس أن يسألوا: كيف يستمر هذا الوضع كل هذه المدة؟
لا نزعم من خارج البنك معرفة السبب الفني لكل عطل، ولا نقول إن نظامًا تقنيًا يمكن ضمان عمله بلا انقطاع إلى الأبد، ولكن خدمة بهذا الحجم والأهمية يجب أن تحظى بأقصى درجات الاهتمام الفني والإداري والمالي. ومن الصعب إقناع المواطن بأن الأعطال المتكررة بهذا الحجم قدر لا يمكن تجاوزه. فلو عوملت القضية بما يناسب خطورتها، واستُنفدت من أجلها الإمكانات والخبرات والحلول والبدائل المتاحة، لكان المنتظر أن تستقر الخدمة أو ينخفض اضطرابها إلى الحدود الاستثنائية التي تعرفها النظم التقنية بطبيعتها.
وإلى أن يُحسم الخلل جذريًا، كان لزامًا أن يصاحب هذا التأخير شرح واضح وصريح ومتواصل للناس عن أسباب ما يجري، وما الذي يُفعل لمعالجته، ومتى يُتوقع أن تستقر الخدمة. فالتوضيح ليس بديلًا عن الإصلاح ولا عذرًا لتأخيره، وإنما حق للمواطن وواجب على الجهة التي أصبحت خدمتها متصلة بهذا القدر بمعاشه وماله. فإذا كانت المشكلة تقنية، أو في الاتصالات أو الكهرباء أو غيرها من البنية التحتية، أو كانت هناك أسباب خارجة عن إرادة البنك، فليُقل للناس ما يمكن قوله دون مساس بأمن النظام.

أما أن يتكرر العطل، ويبقى المواطن لا يعرف لماذا حُجب عنه الوصول إلى ماله ولا متى تعود الخدمة إلى طبيعتها، فإن ذلك لا يليق بحجم الضرر الواقع عليه، وقد يُفهم منه استهانة بحق المواطن في المعرفة وبفداحة ما يتحمله من أذى.
ولكن اللوم لا يتوقف عند بنك الخرطوم؛ بل يصبح أشد على بنك السودان المركزي، فهو الجهة المنوط بها تنظيم النظام المصرفي والإشراف عليه وحماية استقراره. وإذا أصبحت خدمة مصرفية واحدة بهذا الحجم مرتبطة بمعاش الناس وحركة الأسواق، فإن استمرار اضطرابها لم يعد شأنًا داخليًا بين بنك الخرطوم وعملائه.
وعلى بنك السودان أن يسأل ويحقق ويتابع: ما أسباب الأعطال؟ وما قدرة الأنظمة الحالية؟ وما خطط الطوارئ والبدائل؟ وما الحد المقبول لتوقف الخدمة؟ ولماذا تتكرر المشكلة؟ ثم يلزم الجهات المسؤولة بما يجب عليها، ويعلن للناس ما يمكن إعلانه.
بل إن القضية تجاوزت حتى بنك السودان نفسه. فحين يصبح تعطل وسيلة دفع واحدة قادرًا على إرباك حياة قطاع واسع من الشعب وتعطيل التجارة والخدمات وحركة الأموال، فإن الأمر يصبح شأنًا قوميًا يستوجب اهتمام مجلس السيادة ثم مجلس الوزراء، كلٌّ في نطاق مسؤوليته. فهذه ليست شكوى من تطبيق هاتف ولا خلافًا بين بنك وبعض عملائه؛ إنها قضية تمس واحدة من أهم البنى التي تقوم عليها حياة الناس وحركة الدولة والاقتصاد.

ولو تعطلت شبكة الكهرباء على نطاق واسع، أو انقطعت المياه عن المدن، أو توقفت شبكة الاتصالات، لما قيل إن الأمر شأن داخلي للجهة المشغلة وحدها. وكذلك ينبغي النظر اليوم إلى منظومات الدفع التي أصبحت أموال الناس ومعاملاتهم ومعايشهم مرتبطة بها.
ولذلك فإن المطلوب لم يعد اعتذارًا آخر بعد العطل القادم، وإنما تدخلًا على مستوى حجم المشكلة: تحديد المسؤولية، وتشخيص السبب الحقيقي، ووضع أجل واضح لمعالجة الخلل، وتأمين البدائل، ومتابعة التنفيذ على أعلى مستوى حتى تستقر الخدمة.
فلا يجوز أن يبقى المواطن آخر من يعلم، وهو أول من يدفع الثمن.

والمطلوب اليوم ليس المستحيل، وإنما أن تُعامل القضية بما يساوي حجمها: أن تُعرف الحقيقة، وتُحدد المسؤولية، وتُستنفر الخبرات والإمكانات، وتُؤمَّن البدائل، ويُحسم هذا التعطل المتكرر حتى يصبح استثناءً نادرًا لا واقعًا يترقبه الناس كل يوم.
فـ«بنكك» لم يعد شأن بنك الخرطوم وحده؛ لقد أصبح، بحجم ما ارتبط به من أموال الناس ومعايشهم وحركة الاقتصاد، شأنًا قوميًّا يمس مفاصل المجتمع والدولة. ولذلك فإن استمرار تعطله بهذه الصورة لم يعد مقبولًا، ولا يحتمل مزيدًا من الانتظار.

وإن كان ثمة من يظن أن تعطيل حركة المال يمكن أن يكون علاجًا لمشكلة ارتفاع الدولار، فلا بأس أن نختم بمثل سوداني يعرفه جلُّ السودانيين من الأجيال الأكبر سنًا، ولعل في ذكر قصته فائدة لأبنائنا من الأجيال الجديدة، في زمن اتسعت فيه، للأسف، فجوة القراءة والاطلاع على جانب من تراثنا وثقافتنا الشعبية.
تقول حكاية «البصيرة أم حمد» إن ثورًا أدخل رأسه في زير ليشرب، فلم يستطع إخراجه، فاستنجد أهله بالبصيرة أم حمد، فأشارت عليهم بذبح الثور وقطع رأسه، ففعلوا، وبقي الرأس داخل الزير. فلما عادوا إليها أشارت عليهم بكسر الزير لإخراج الرأس، فكسروا الزير، وانتهى الأمر بخسارة الثور والزير معًا؛ بينما كان كسر الزير ابتداءً كفيلًا بإنقاذ الثور.
وذلك هو موضع المثل هنا: فلا نعالج ارتفاع الدولار بطريقة تنتهي بنا إلى خسارة ما هو أثمن من انخفاضه؛ فنذبح الثور، ثم نكسر الزير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى