مقالات

الدولة القوية لا تستعير أمنها

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

في العلاقات الدولية تتغير المواقف بتغير المصالح والظروف، ولذلك فمن الخطأ أن تبني دولة أمنها على افتراض أن حليفًا خارجيًا سيحميها في كل الأحوال، كما أن من الخطأ المقابل أن تظن أنها تستطيع الاستغناء عن التحالفات والشراكات.
والتجارب كثيرة؛ فقد ظلت الحكومة الأفغانية نحو عشرين عامًا تحظى بدعم عسكري ومالي واسع من الولايات المتحدة وحلفائها، وتلقى جيشها تدريبًا وتسليحًا كبيرين، ومع ذلك انهارت سريعًا في أغسطس 2021 مع اقتراب الانسحاب الأجنبي من نهايته وتراجع الإسناد العسكري المباشر. وبقي نظام بشار الأسد سنوات طويلة مستندًا إلى دعم روسي وإيراني كبير، ثم سقط في ديسمبر 2024 حين اجتمع ضعف الداخل مع تغير الظروف وموازين القوى من حوله. والعبرة ليست أن التحالفات لا قيمة لها، بل أنها قد تكون شديدة الأهمية، لكنها لا تستطيع أن تقوم مقام قوة الدولة من داخلها إلى ما لا نهاية.

وهنا يبدأ السؤال الأهم: كيف تُبنى هذه القوة الداخلية؟
لا تُبنى بإصلاح جانب وترك البقية، وإنما بحزمة متكاملة تسير معًا: حكم رشيد وسيادة قانون ومؤسسات كفؤة، واقتصاد منتج وبيئة عادلة وجاذبة للاستثمار، وتعليم وصحة، وزراعة وصناعة وبنية أساسية، وجيش مهني قوي، ومحاربة للفساد، وإطلاق للطاقات البشرية، واستثمار أمثل للموارد. فاقتصاد قوي لا يستقيم طويلًا مع إدارة فاسدة، وطرق ومبانٍ جديدة لا تكفي مع انهيار القيم، وجيش قوي يحتاج خلفه إلى دولة قوية ومجتمع متماسك واقتصاد قادر على إسناده.

ولهذا فإن إصلاح السودان لا ينبغي أن يُختزل في إعادة ما دمرته الحرب من مبانٍ وطرق ومصانع ومحطات كهرباء ومياه، على أهمية ذلك كله. فإعادة الإعمار الحقيقية هي إعمار للمباني والمعاني معًا؛ بناء للإنسان بقدر ما هي بناء للحجر، وإصلاح للقيم والإدارة والمؤسسات بقدر ما هي إصلاح للطرق والمصانع. فما جدوى أن نبني منشأة حديثة ثم نديرها بالعقلية نفسها التي أفسدت سابقتها؟
وهذه ليست موعظة مجردة، بل تؤكدها السنن الشرعية والكونية. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فصلاح الأحوال يرتبط بإصلاح ما في الناس، والتجارب تؤكد أن الإصلاح المستدام لا يقوم على تغيير المظاهر وحدها، بل يحتاج إلى الإنسان والقيم والإدارة والمؤسسات والاقتصاد وطرائق العمل معًا. فالمال وحده لا يصنع تنمية إذا ساءت إدارته، والتقنية لا تصلح مؤسسة فاسدة من تلقاء نفسها، وبناء المصنع أيسر من بناء النظام الذي يضمن استمراره وإنتاجه.

ومن هنا كانت مشكلة السودان تاريخيًا أعمق من قلة الحلفاء. فبلد يملك هذا الموقع، وهذه الأراضي والمياه والمعادن والثروة الحيوانية والإمكانات البشرية، كان يمكن أن يكون أكثر قوة وتأثيرًا لو أصلح بيئته الداخلية وحول موارده إلى إنتاج ومؤسسات وقوة اقتصادية. ولذلك لا ينبغي أن يكون سؤالنا الأول: من يحمينا؟ قبل أن نسأل: كيف نبني عناصر القوة التي وهبنا الله أسبابها؟
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾. والقوة في عصرنا لا تقتصر على السلاح؛ بل تشمل الاقتصاد والعلم والغذاء والطاقة والصناعة والتقنية والمؤسسات والمعلومات والدبلوماسية والتماسك المجتمعي، إلى جانب الجيش القادر الذي يحمي هذه المنظومة كلها.

ومع ذلك، فالدولة القوية لا تعزل نفسها عن العالم. فالتحالفات والشراكات توفر فرصًا للتمويل والتقنية والأسواق والتعاون الأمني والدفاعي والغطاء السياسي والردع، وتصبح أكثر نفعًا كلما دخلتها الدولة من موقع قوة ومصلحة متبادلة، لا من موقع اضطرار يجعل مصيرها معلقًا بقرار الآخرين.
وفي شبكة علاقات السودان الخارجية ينبغي أن تحظى السعودية ومصر بعناية خاصة تفرضها طبيعة الصلات والمصالح المشتركة. فمصر جار مباشر يرتبط بالسودان بالنيل والحدود والأمن والتجارة والامتداد البشري، ويتداخل أمن البلدين واستقرارهما بدرجة كبيرة. والسعودية تقابل السودان على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، وترتبط مصالح البلدين بأمن هذا البحر وموانئه وممراته، فضلًا عما تملكه المملكة من ثقل سياسي واقتصادي واستثماري كبير، وما يمكن أن تمثله من شريك رئيسي في إعادة الإعمار وتنمية الموارد وفتح الأسواق أمام الإنتاج السوداني، وقد أضاف إنشاء مجلس التنسيق السعودي–السوداني مؤخرًا إطارًا مؤسسيًا مهمًا لتطوير هذه العلاقة.

ولذلك ينبغي أن تُدار العلاقتان المصرية والسعودية بأقصى درجات العناية والحكمة، وأن تُبنيا على الثقة والمصالح المتبادلة والتنسيق المستمر، وأن يُنظر إليهما بوصفهما من أهم دوائر السودان الإقليمية وأكثرها التصاقًا بأمنه واستقراره ومستقبله. فهذه علاقات تجمعها روابط الدين واللغة والجغرافيا والتاريخ والامتداد البشري وتشابك المصالح، ويزيدها رسوخًا حسن إدارتها وتحويلها إلى تعاون اقتصادي واستثماري وأمني وتنموي واسع يعود بالنفع المتبادل على الجميع.
ثم تتسع دوائر التعاون مع بقية المحيط العربي والأفريقي، ومع دول الخليج وتركيا والصين وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا وغيرها، دون الارتهان لمحور ضد آخر، وبميزان واضح: ما الذي يحقق مصلحة السودان ويحفظ سيادته ويزيد قوته؟ ومن أبى علاقة تقوم على الاحترام والمصلحة المتبادلة، أو سعى إلى الإضرار بالسودان، فلا تكون مواجهته بعزل البلاد عن العالم أو بردود الفعل المنفعلة، وإنما بقوة الدولة الذاتية، ومتانة علاقاتها مع الآخرين، وتوسيع البدائل أمامها، وحسن توظيف المصالح المتبادلة وأدوات الضغط الدبلوماسية والاقتصادية المشروعة، بحيث تصبح كلفة الإضرار بالسودان أعلى، ومصلحة التعاون معه أكبر.

فالسياسة الحكيمة لا تقول: نحتمي بالخارج، ولا تقول: لا نحتاج إلى الخارج؛ بل تقول: نصلح أنفسنا ومؤسساتنا، ونبني اقتصادنا وقوتنا، ونحسن اختيار أصدقائنا وشركائنا، ثم نجعل علاقاتنا وتحالفاتنا إضافة إلى قوتنا لا بديلًا عنها.
فالدولة القوية لا تستعير أمنها من أحد؛ تبنيه في داخلها أولًا، ثم تحيطه بعلاقات تجعل استقرارها مصلحة للآخرين، والإضرار بها مكلفًا عليهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى