السودان… من مطاردة الأعراض إلى إصلاح الجذور (2 من 10): الدولار ليس أصل الداء
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

كلما ارتفع سعر الدولار في السودان، ارتفعت معه الأصوات المطالبة بمطاردة تجار العملة، وتشديد العقوبات، ومنع التعامل خارج القنوات الرسمية، أو رفع السعر الرسمي للحاق بالسوق الموازية. لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق ذلك كله هو: هل الدولار أصل المشكلة، أم مجرد مرآة تكشف خللًا أعمق في الاقتصاد؟
سعر الصرف ليس رقمًا معزولًا يقرره بنك السودان، ولا حركة يخلقها تاجر العملة من فراغ، بل محصلة للعرض والطلب على النقد الأجنبي، وهما بدورهما يتأثران بالإنتاج والصادرات والواردات والتحويلات والاستثمار، والكتلة النقدية والعجز المالي، والثقة في المصارف، واستقرار السياسات، وسهولة التعامل عبر القنوات الرسمية.
فإذا ضعف الإنتاج والصادر، وتعطل الاستثمار، وابتعدت التحويلات وحصائل الصادرات عن المصارف، واضطربت السياسات، وتوسع تمويل العجز بزيادة الكتلة النقدية دون زيادة مقابلة في الإنتاج، فمن الطبيعي أن يزداد الضغط على الجنيه. وعندئذ يكون ارتفاع الدولار عرضًا ظاهرًا لا أصل الداء.
ولهذا فإن مطاردة السوق الموازية لا تلغي الحاجة التي أنشأتها. فالمواطن الذي يحتاج إلى عملة للعلاج أو الدراسة أو السفر، والمستورد الذي يحتاج إليها لشراء السلع ومدخلات الإنتاج، والمستثمر الذي يريد إدخال رأس ماله أو تحويل أرباحه، والمصدر الذي يريد بيع حصيلته بسعر مجزٍ، بل وحتى الدولة نفسها حين تحتاج إلى النقد الأجنبي لبعض معاملاتها والتزاماتها؛ كل هؤلاء يمثلون عرضًا وطلبًا حقيقيين لا يختفيان بقرار إداري.
فإذا لم يجد صاحب الدولار في القنوات الرسمية سعرًا مجزيًا وإجراءً سهلًا وسريعًا، بينما يجدهما خارجها، فلماذا يبيع للمصرف؟ وإذا لم يجد طالب الدولار حاجته رسميًا بينما يجدها في السوق الموازية، فكيف نطلب منه ألا يلجأ إليها؟
وهنا تكمن المفارقة: نحارب السوق الموازية، بينما نبقي الأسباب التي تمنحها القدرة على منافسة السوق الرسمية.
والحل ليس في محاربة الحاجة إلى النقد الأجنبي، بل في نقل السوق نفسها من الظلام إلى النور؛ أي إنشاء سوق صرف رسمية حرة وشفافة ومنظمة، يتكون السعر فيها من العرض والطلب الحقيقيين عبر البنوك والصرافات المرخصة، ويستطيع فيها من يملك النقد الأجنبي أن يبيعه، ومن يحتاج إليه أن يشتريه، بسهولة وفي إطار القانون.
ويمكن أن تدعم ذلك منصة مركزية تربط البنوك والصرافات، تعرض عروض البيع والشراء والأسعار والكميات المتاحة، وتتيح تنفيذ المعاملات وتسويتها، بحيث تصبح القنوات الرسمية هي المكان الحقيقي لاكتشاف السعر والتداول، لا مجرد جهات تعدّل أسعارها بعد أن تحدد السوق الموازية الاتجاه.
ولا يكتمل التحرير إذا سُمح ببيع الدولار رسميًا ولم يكن شراؤه متاحًا بالسهولة نفسها؛ فالحرية في اتجاه واحد لا تصنع سوقًا حقيقية. وما دامت السوق الموازية توفر البيع والشراء معًا بسرعة ومرونة، فلن تتفوق عليها السوق الرسمية إلا إذا أصبحت أيسر وأأمن وأكثر شفافية.
وهنا يظهر الفرق بين تحرير سوق الصرف وبين مجرد تحريك السعر الرسمي للحاق بالسوق الموازية. ففي الحالة الثانية تبقى الكتلة الأساسية من التداول واكتشاف السعر خارج النظام الرسمي؛ يرتفع الموازي فتقترب منه المؤسسات، ثم يتحرك من جديد، فتتكرر المطاردة عند مستوى أعلى.
أما إذا انتقل معظم العرض والطلب إلى القنوات الرسمية، فإن السوق الموازية تفقد جانبًا كبيرًا من وظيفتها وحجمها وقدرتها على قيادة السعر. ولن يعني ذلك بالضرورة اختفاء كل تعامل غير رسمي؛ فمثل هذه الأسواق قد تبقى ما دامت هناك معاملات غير مشروعة أو قيود أو تكاليف تدفع إليها، لكن الهدف أن تصبح هامشية لا السوق التي تقود الاقتصاد.
وهذه نقطة مهمة حتى لا يُفهم تحرير الصرف على أنه وعد بانخفاض الدولار فورًا. فقد يرتفع السعر بعد التحرير، وقد يظل مرتفعًا ما دامت الاختلالات الأساسية قائمة. لكن الفارق أن التداول يعود بدرجة أكبر إلى القنوات الرسمية، فتتوافر البيانات والسيولة، ويستطيع البنك المركزي رؤية السوق وتنظيمها بدل أن يبقى جزء كبير منها خارج نطاقه، وتنتفع الدولة من الرسوم القانونية المرتبطة بالمعاملات، وتسهل معاملات المواطنين والمنتجين والمستوردين، ويتهيأ طريق أوضح وأكثر اطمئنانًا للاستثمار.
ولا يشترط لبدء هذا الإصلاح أن يمتلك بنك السودان أولًا احتياطيًا ضخمًا من النقد الأجنبي؛ فالاحتياطي نفسه يتكون في جانب مهم منه من الصادرات والتحويلات والاستثمار وغيرها من التدفقات. فإذا كانت البيئة الرسمية تطرد هذه الموارد بسبب السعر والقيود والإجراءات، فكيف يتكون الاحتياطي؟
ولا يعني قيام سوق حرة أن يكون بنك السودان مطالبًا بتوفير النقد الأجنبي من موارده لتلبية كل طلب. فالأصل أن يلتقي داخل السوق ما يعرضه المصدرون والمغتربون والمستثمرون وغيرهم بما يطلبه المستوردون والمواطنون والمستثمرون، وأن يتكون السعر بحرية من هذا التفاعل. فإذا توافرت للبنك المركزي احتياطيات وأراد التدخل وفق سياسته النقدية فذلك أمر آخر، لكنه ليس المصدر الذي يجب أن يمول كل عملية بيع وشراء. ودوره الأساس أن ينظم السوق ويراقبها ويضمن شفافيتها وسلامتها، لا أن يدير سعرها إداريًا أو يحل محل البائعين والمشترين.
إن اشتراط احتياطي كبير قبل إصلاح السوق يشبه طلب الثمرة قبل غرس الشجرة.
لكن تحرير سوق الصرف وحده لا يكفي لبلوغ الوضع الاقتصادي الأمثل. فإذا استمر العجز المالي والتمويل التضخمي، وضعفت بيئة الإنتاج والصادرات، وتعقدت التجارة والاستثمار، فلن يمنع التحرير تراجع الجنيه؛ لأنه يصلح آلية السوق ولا يصنع النقد الأجنبي من العدم.
ولهذا يجب أن يسير تحرير الصرف بالتوازي مع ضبط المالية العامة، والحد من التمويل التضخمي، وإصلاح المصارف، وتبسيط الضرائب والجبايات، وتحرير التجارة والاستثمار، وحماية العقود، وتسريع القضاء، ورقمنة الإجراءات، وتحسين الحوكمة؛ فهذه الإصلاحات هي التي تهيئ البيئة لتوسع الإنتاج والصادرات وتدفق الاستثمار والتحويلات، ومن ثم زيادة موارد النقد الأجنبي.
وعندما تصبح القنوات الرسمية أكثر جاذبية، يجد المغترب والمصدر والمستثمر سببًا اقتصاديًا لاستخدامها، فتزداد تدفقات النقد الأجنبي داخل النظام، وتتحسن قدرة البنك المركزي على بناء الاحتياطيات وإدارة التقلبات، بدل استنزاف جهده في الدفاع عن سعر إداري لا يستطيع الاقتصاد الدفاع عنه.
والأمر نفسه بالغ الأهمية للاستثمار؛ فالمستثمر لا يسأل فقط: كم سعر الدولار؟ بل يسأل: هل أستطيع إدخال مالي وإخراجه؟ هل أستطيع تحويل أرباحي؟ هل توجد سوق رسمية واضحة وشفافة؟ وهل القواعد مستقرة؟
فإذا وجد بيئة قانونية ومالية ومصرفية موثوقة، أمكنه أن يأتي برأس المال والتقنية، بل وأن يوفر جانبًا مما يحتاج إليه مشروعه من طاقة وتخزين ونقل وخدمات، منفردًا أو عبر شراكات وتمويلات مختلفة.
ومن هنا فالدولار ليس أصل الداء، وإنما أحد أكثر أعراضه ظهورًا. والجذر أعمق: ضعف الإنتاج والصادرات، واختلال المالية العامة، واضطراب بيئة الاستثمار، وتعقيد الإجراءات، وضعف النظام المصرفي، وعدم استقرار السياسات، وتراجع الثقة.
فإذا أصلحنا هذه البيئة، أصبح سعر الصرف انعكاسًا لاقتصاد يتحسن. أما إذا أبقينا الجذور كما هي، واكتفينا بمطاردة تجار العملة أو تشديد العقوبات أو تحريك السعر الرسمي خلف السوق الموازية، فسندور في الحلقة نفسها: عرض محدود، وطلب مرتفع، وثقة ضعيفة، وسوق موازية قوية، وضغط متواصل على الجنيه.
المشكلة إذن ليست: كيف نهزم السوق الموازية بالقوة؟ بل: كيف نبني سوقًا رسمية تجعل اللجوء إلى السوق الموازية أقل جدوى من التعامل عبرها؟
وفي المقال القادم، إن شاء الله: الغلاء… هل المشكلة في التاجر؟





